البحث

تحميل رواية  التفكك رشيد بوجدرة.pdf شعرية القبح في رواية "التفكك " لرشيد بوجدرة ...

تحميل رواية التفكك رشيد بوجدرة.pdf


تحميل رواية  التفكك رشيد بوجدرة.pdf


شعرية القبح في رواية "التفكك " لرشيد بوجدرة
- دراسة تحليلية –
تسعى هذه الدراسة لتسليط الضوء على واحدة من أهم التجارب الإبداعية في مجال الكتابة الروائية فـي الجزائـر، إنهـا
تجربة "رشيد بوجدرة" هذا الروائي المخضرم الذي مارس الكتابة باللغة العربية إذ عرف بالكاتب الفرانكفوني بعد إصداره روايات
باللغة الفرنسية من ليرتد عنها و عي ود إلى اللغة الأم ليسجل أول حضور له بالغة العربية في رواية التفكك عام 1982 م
فهدف هذا البحث هو التنقيب على شعرية القبح في اللفظ والتصوير من خلال الأماكن والشخوص، لبيان أبعادها الجماليـة
والفنية والكشف عن الدلالات التي تمخضت عنها .
01 - ملخص الرواية
ترسم هذه الرواية لحظات تحول الإنسان في علاقته بآلة الدولة، و أثر هذه التحولات في تشويه كيان الإنسان و
إرجاعه إلى نسخ يعيش أوهامه و تصوراته البائسة ليدخل إلى عالم البله الكامل من خلال شخوص هو محركهـا ،يتكلم
من ورائها حينا، وأحيانا أ خرى يدع بطله الطاهر الغمري الذي '' يجوب المدينة طولا وعرضا عاملا على محو ماضيه
خائفا من حاضره، ضاربا مستقبله بتأشيرة اللامبالاة " 1 أ، ما سالمة فهي الفتاة التي تعيش بعقلية البرجوازيـة الصـغيرة
مشتتة الفكر بين الماضي والحاضر بين ثورتها النفسية الداخلية وسعيها من اجل البحث عن الحقيقة التاريخية، من خلال
اتصالاتها وعلاقتها مع "الطاهر الغمري" الذي يمثل فكرا وتاريخا محددين، فصلتها بـه تـتم عبـر زياراتـه لغرفتـه
القصديرية . واللافت للنظر أن هذه البرجوازية الصغيرة يظهر تأثيرها على "الطاهر" بشكل واضح، وقد تعمد بوجـدرة
وضعها منذ البداية طريقة لإخراج بطله من انطوائه وعزلته ليندمج في الحياة الجديدة و ، معنى ذلك أن الكتابة الروائيـة
تكتب التحولات في منطق العلاقات الروائية أي تكتب الواقع في شكله الفني الملائم، والشكل هنا ساخر يعتمـد علـى
الحوار الداخلي تارة والحوار الخارجي تارة أخرى،فهو ينهض على لسان المتكلم و ينبني على دائرية القول المحكـوم
بذات إنسانية مغلقة .2014  
ومن هنا كان السؤال الذي لا مناص من طرحه، والذي نتخذه عتبة نلج من خلالها عالما روائيا رحبـا للكاتـب
رشيد بوجدرة هو -: كيف يمكن أن يكون القبح موضوعا للإبداع لديه ؟ وكيف تجسد في رواية التفكك ؟
2 - مظاهر جماليات القبح في رواية التفكك :
1-2-شعرية القبح في اللفظ :
إن اللغة الشعرية كما نعرف لا تقتصر على الألفاظ وحدها، إنما هناك أمور أخرى تشترك مع الألفاظ لإحـداث
لــغة صالحة للبناء الفني الروائي وأول هذه الأمور هو طريقة تركيب هذه الألفاظ ووضعها في نظام معـين بحيـث
تؤدي الفكرة التي يرمي إليها الأديب، وبذلك تصبح الكتابة الروائية كتابة شعرية تضفي على اللغة الروائية طابعا جماليا
فتنتقل اللغة من وظيفتها التوصيلية إلى مجال الرمز والإيحاء ، وتعطي اللغة الشعرية قوة غامضـة لـبعض الكلمـات
وبعض التراكيب، فتسبب استثارة الخيال، وتنفذ إلى صميم القلب ، ومن هنا تتسع مــدلولات الألفاظ فتجنح إلى التلميح
الذي هو أبلغ من التصريح، وهذا ما عمد إليه "رشيد بوجدرة" حيث قام بتخير ألفاظ خاصة ووضعها في النسـق الـذي
يوضح فكرته ويحقق غرضه بعيدا عن المألوف والمعهود في الروايات التقليدية، تحت لواء " جمالية القـبح "، " فتعـددت
السجلات اللغوية، والأجناس التعبيرية، وطرائق التشخيص، والصيغ والتقنيات الأسلوبية المفتوحة على تيـار الـوعي،
فأصبحت الإشارة اللغوية تحمل الغياب الذي يحتم الحضور والغياب هو اللغة المسكوت عنها، فاستجلاب الغياب يتم من
خلال الحضور"2
فقد استخدم "بوجدرة" الأسلوب الحر المباشر في روايته ليمنح شخصياته حرية التعبير والقول والإفصاح عما في داخلها،
فكان السارد ناقلا لهذه الملفوظات كما هي دون تدخل منه في مدلولاتها وتراكيبها، ليقدم لنا هذه الملفوظات كما صاغتها
الشخصيات من خلال الحوارات وهذه الطريقة في السرد تجعلنا نستنتج أن "بوجــدرة" يمتـاز بثروة أسلوبية ولغوية
في كتاباته، حيث نجد جملا تمتاز بمعجمها الفصيح ونأخذ على سبيل المثال وليس الحصر قوله ه ـــ «: ذا ويغـرس
الشمعة كقضيـب فخم مستطيل .» 3
إن اللغة التي يستخدمها "بوجـدرة" رغم كونها لغة فجة استثارت القبيح على اللفـظ الرقيـق إلا أنهـا تسـتمد
شعريتها من واقع نفسي يندرج تحت الذات الإنسانية الداخلية، فهو عندما يستعين بلفظة "القضيب" والتي تحـمل عـدة
معـــاني في لسان الـعرب:4
قابض وقضاب ومقضب: فهي من السيوف اللطيف الدقيق .
ويقال القضيب وهو القوس المصنوعة من القضم، أما القضيب فهي الإبل التي ركبت والتي لم ترضي .
والقضيب أيضا: ذكر الإنسان و غيره من الحيوان .
فكلمة قضيب عند الرجل ليس مجـرد عضو ذكري يـؤدي وظيفته البيولوجي ،ة إنما هو ما يشـكل منـه ذات
الرجل وما يهي ئ له عالمه النفسي قبل عالمه العضوي، فيغرس الشمعة هنا تستمد معانيها من القوة الذكورية التي تزحف
بالقضيب الذكري إلى حالة الاعتزاز والفخر بانتمائه إلى الجنس الذكري على حساب الأنثوي .
- وقوله أيضا «: ويشعر بقلبه يذوب مرحا وغمرة لا سيما إذا ما راح المطر ينكح الأرض وتغشى الضـبابة أرصـفة
الميناء .» 5
إن هذا التوظيف اللغوي ما هو إلا دلالة على الانبهار والإعجاب، ـف" الظاهر" عندما يتأمل نزول المطر وسقوط
تلك الحبات على الأرض، هو منظر يثير فيه شعورا بالمتعة شبه هذه المتعة ن" كاح المطر للأرض" بنكاح الرجل للمرأة
، فلفظة النكاح جاءت في لسان العرب تحمل دلالات عديدة نذكر منها:6
نكح فلان امرأة بمعنى تزوجها، ونكحها ينكحها أي مباضعها، ومعنى النكاح هنا هو الوطء، فالمعنى "الزاني لا
يطأ إلا زانية، والزانية لا تطأ إلا زان" وأصل النكاح في كلام العرب الوطء .2014  
/ 21 א
49
وقيل التزوج نكاح لأنه سبب للوطء المباح .
ويقال نكحها ونكحت هي أي تزوجت .
ويقال نكح المطر الأرض أي اعتمد عليها، ونكح النعاس عينه .
ـون اك المطر الأرض، ونـاك النعاس عينه .
فالكاتب هنا يحاول أن يحصر هذا اللفظ فيفرض عليه نمط ا معين ا من الرؤية ليجعل منه صورة حية تتفاعل فيها
مكنونات نفسية وعضوية ليسقطها في مسار شعري يلغي قبحها ويفجر فيها نوعا من الشعرية التي تخلق لنـا صـورة
بيانية تتجاوز فيها اللفظة العادية إلى لفظة المجازية، فالنكاح هو التقاء الذي ينجم عنه ثمرة، ونكـاح المطر لـلأرض
يؤدي إلى ثمرة، وهي ثمرة رائــــحة التراب بالما أو،ء ثمرة الاخضرار الذي يكسو الأرض بعد ذلك، فالنكـاح لا
يوظف هنا توظيف " ا " اسلبي وليس من باب الاستعمال المباح بين (الرجل وزوجه ،) بل يعلو النكـاح هنا إلى مرتبة النماء
والاستمرارية والخير .
-ويقول أيضا «: وهي تتساءل بين طيات نفسها (وأنا لست مسؤولة ، ) هل التاريخ عبارة عن خرقة تستخدم لتشرب هدر
حيض الإنسانية .» 7
فالحيض في حد ذاته لا يمكن اعتباره من القبح، وإنما تستمد هذه اللفظة قبحها من الخرقـة علـى حـد تعبيـر
الروائي، هذه الخرقة التي تمتص الحيض، أي الدم الفاسد من حاجة المرأة، أو البويضة الفاسدة من رحمها والتي لم تلقح
فينتج عنها فساد، فتنزل على شكل دم فاسد تمتصه الخرقة، فالروائي يشبه التاريخ بهذه الخرقة لأن التاريخ هنا هو مـا
يمتص الفساد ويبقى عالقا به كما يعلق الدم بالخرقة، كذلك التاريخ يحتوي على هذا الفساد لأنه منـه يبـدأ . وحـيض
الإنسانية تدل على قبح اجتماعي وهي ثورة الروائي على العقليات الجامدة ومخلفـات الاسـتعمار وعلـى الإقطاعيـة
والبرجوازية المتعفنة التي تسعى لإشباع فضولها بعيدة عن قضايا الشعب الكادح المسـحوق تحـت أقـدام الرجعيـة
والانتهازية، لكن شعرية هذا التعبير لا تكمن في تمرد الروائي فحسب، بل هو يحاول أن ينقل لنا الألم عبر هذا المعطى
اللغوي ويضفي على نصه شعرية أكبر، كما أن له مقصد ا إيديولوجي ا يحاول تغطيته بهذا المعطى اللغوي .
-وقوله أيضا «: تريد الرجوع إلى دار أبيها حيث يهرع الأطفال الأربعة إلى الغرفة بعد أن لفظتهم أمهم من فرجـ ـها
وغسلت يـديها بماء اللامبالاة .» 8
فقوله "لفظتهم أمهم من فرجها" بمعنى ولدتهم، لأن المرأة هي من تحمل وهي من تضع أولادها، ولم يعمد إلـى
قوله لفظهم والدهم، لأن هنا تأكيد على أن الأم هي الأقرب من الأب بحكم مراحل حملها، فتكون الأكثر عطفا وقربا من
أولادها، والمقصود هنا ليس لفظة الفرج الذي خرجوا منه، بل المقصود هو المكان الذي كانوا فيه والانتمـاء الأصـلي
لهم، وغسل الأم بيدها باللامبالاة يلغي ما سبق، يلغي كينونة الأم يلغي مزيج المشاعر والحب الذي تكنه كل أم لأبنائها،
فالقبح هنا قبح نفسي يصور الشذوذ النفسي الذي تعاني منه أم "سالمة ". لكن السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان هنا أيـة أم
يقصد الكاتب؟ من أي جنس ومن أي نوع؟ فهل يقصد الأم من جنس البشر، أم الأم من جنس الحيوان؟ أم يقصد الأم
الوطن؟؟؟ أي كان جنسها تبقى الإشـارة إلى مفهومها أعمـق من هذا .
بوجدرة يعتني باللفظة وبالكلمة التي تؤدي وظيفتها في السياق ـال روائي داخل الفضاء الزمـاني والمكـ ـاني،
وهكذا يعطى لخطابه جمالية سردية وفنية، كما أن "بوجدرة" لا يكتب للقارئ البسيط بل يكتب للنخبة وللقارئ الذي يبذل
جهدا في عملية القراءة، لذا فهو يستعين بلغة حوشية والمليئة بالألفاظ الغربية، قليلة التداول في الأدب الحـديث، فلغتـه
أقرب إلى المقامات الحريرية ولغة الرافعي .
ومن أمثلة ذلك قوله «: فهو يتساءل عن سر وجود مثل هذه الطيور المتكرشة في المدينة .»