البحث

تحميل كتاب الحلة .. عاصمة السخرية العراقية المرة وذكرى الساخرين لـ نوفل الجنابي في تدوينة لأحد الأصدقاء كتب فيها أنه لم يضحك أثنا...

تحميل كتاب الحلة .. عاصمة السخرية العراقية المرة وذكرى الساخرين لـ نوفل الجنابي




تحميل كتاب الحلة .. عاصمة السخرية العراقية المرة وذكرى الساخرين لـ نوفل الجنابي



في تدوينة لأحد الأصدقاء كتب فيها أنه لم يضحك أثناء قراءته لكتاب كما ضحك مع كتاب الحلّة، لم أصدقه في بداية الأمر، فأنا أعرف تماماً كم يبالغ الكاتب عندما يصف شيئاً ما. لكنّ كلامه أثار في نفسي الفضول لقراءتها. فالضحك، عُملة نادرة وصافية، وهي مثل القارب في "حلّة" يساعدك على التنقل من صوب إلى صوب، ولو كان مؤقّتاً. بعد المرور في هذه الحياة، تأكدّت من شيءٍ ما، من السهل على رواية ما أن تكون حزينة، ومليئة بالكآبة، سواء الوجودية منها أو الشاعرية، ففي كلّ منّا بئر أسود، حالك الظلام، عميق، والدلو جاهزْ لينتشل المآسي من داخله حتّى تتفاعل مع نص الرواية، بينما الصعوبة تكمن في جعل الرواية تُضحك القارئ، وهذا ما فعلته هذه الرواية بإتقان. 

عندما أنهيت المئة صفحة الأولى من الرواية حمدت الله أنني اقرأها على اللابتوب، فلا أتخيل نفسي قادراً على كتمان ضحكاتي التي تتعالى رغماً عني وأنا أمسك الرواية الورقية في مكانٍ عام. أما في المئة صفحة الثانية قمت بإغلاق نافذة غرفتي حتّى لا يسمع الجيران صوت ضحكي الذي أصبح أعلى من الطبيعي، تلك الرغبة التي تجتاحك لتطلق الضحكات، كي لا تعرف هل تخفّف عن قلبك البكاء وتستبدله بالضحكات؟. ستتنقل في الرواية بين أزقّة المدينة وشخصياتها التي ستحبّها رغماً عنك، ستندمج معهم، ستفهمهم، ستشعر أنهم جزء لا يتجزّء منك، لسانهم يقول ما عجز عنه لسانك. ستضحك كثيراً حينما تتعرف على الحامية التابعة للجيش والمباريات التي تجري فيها حيث تنتهي بعدد لا بأس به من المسجونين تتراوح مدّة أحكامهم حسب (الجُرم)، فمثلاً التسبب بركلة جزاء حُكمها معروف وهو السجن أسبوع بلياليه، أمّا الانفراد وعدم التسجيل فيؤدي إلى سجن يومين فقط. وستضحك أكثر عندما تعرف عن مجانين المدينة، مجانين الحُب، والمجنون الذي أحببته، مجنون "السيرة النبوية"، ذلك المجنون الذي رفع الكُلفة بينه وبين الله وأنبيائه، تراه أحياناً يقرّع النبيّ موسى، ويعاتب الله!. 

ولأنني في عُزلتي هذه قرأت بعض الكتب الجافة بلا روح، وكتاب آخر جعلني أشتم أمّ الكاتب إبن الستة وستين كلب، كانت هذه الرواية هدية من السماء لم أتركها، اقتنصت كلّ فرصة للضحك، لم أمنع نفسي، ضحكت كما لم أضحك مع أيّ صديق، ضحكت لأنّي أعرف أن الضحك نعمة، ومن سوء المعاملة مع الله أن تردّها. 

هذا الضحك كان مجبولاً بالمرارة، وقساوة الحياة، ضحك يتسّرب على لسان أهل المدينة التي لم يمنعهم أي شيء من الضحك، لا نظام صدّام البعثي المجرم، ولا الحياة القاسية التي تزداد قسوة مع مرور الوقت. إذا كان للتاريخ وجهين، وجه برّاني ووجه جوّاني، فهذه الرواية تقدّم جزء من الوجه الجوّاني بكلّ حقيقة وبلا أي تجميل. الوجه الذي يضحك وكلّ قبح الحياة في ظهره، يضحك فلا تعرف أهو يبكي أم يضحك، من أعظم المراتب أن يستطيع الإنسان تحويل حُزنه إلى أمرٍ يسخر منه، وقتها، يردّ الحياة خائبة، ساخراً منها، بعدما جاءت هي لتسخر منه بأوجاعه التي أهدته إياها.

الرواية ستثير حفيظة من لا يعرف حقيقة صدّام حسين ونظامه البعثيْ، وأيضاً سيثير حفيظة السنّة والشيعة معاً، فلأوّل مرّة يضعني النص داخل لطميّة شيعية، في هذه المدينة التي تتكون من خليط من الشيعة والسنة والمسيحيين واليهود لا يوجد فيها مرقد لإمام معصوم أو إمام قتله يزيد ابن معاوية!. أو ذلك الأستاذ السنيّ ساقه القدر ليدرّس في بلدة شيعيّة، وفي يومٍ من الأيام اختاروه للأذان، وقال له أحدهم : لا تنسى "عليّ وليّ الله"، لإنّ الجماعة يقلبوها على راس اللي جابونه. فقال له الأستاذ: ما اختلفنا يا أخي، بس وين أحطّلك علي؟، قبل الله ولا بعد؟

بين سجون صدام الحسين - الذي يشتعل غيرة من المثقف الشيوعي وعمقه - أو المجازر التي أعدّت للشيوعيين وأهالي البلدة، إلى سامي شندل وهو يدقّ على الأنبوب المعدني الممتد على طول سقف الباص: 
- إخواني وأخواتي *يواصل الدق*
- اخواني وأخواتي أرجو الانتباه.
يواصل الدق حتى يصمت الجميع 
-أكو 3 مشاكل تهدّد السلام العالمي:
يشيح البعض بوجوههم لسماعهم الخطبة للمرة المئة
-أوّل مشكلة، أزمة خليج الخنازير اللي الله مشاها على خير وسحب جون كيندي الصواريخ وبقيت كوبا حرة مستقلة تصدر لنا الشكر واحنه نشرب شاي. 
- .....
- المشكلة الثانية: فيتنام وجنرال جياب قايم بالواجب وعليه أرجو عدم القلق فالأمر مسيطر عليه والسلام العالمي من ذيج الصفحة لا خوف عليه. 

-.....
المشكلة الثالثة، وهي الأخطر، مشكلة الخردة يوم الخميس، يعني اليوم.
-.....
- طبعاً كلّما رح آجي يم واحد أقّصله بطاقة، راح يطلعلي نص دينار، واذا جان شعوره الانساني صاحي راح يطلّعلي ربع، واذا طلعولي أربعة من هاي النمّونة رح تخلّص الخردة وأبدي أصيّح، والصياح رح يجيب الغلط، والغلط يجيب مسبّات اللي لازم تجي وراها البوكسات .. ذيج الساعة راح تصير مشكلة خليج الخنازير وفيتنام مشكلة من الدرجة الثانية إذا اشتغلت البوكسات في هذا الباص الذي يحمل رقم 57 والمتجه إلى مدينة الحلّة الفيحاء.. وعليه .. (هنا تعلو نبرة الصوت الأخنف إلى آخرها) .. كل واحد يطلّع 90 فلس لا تزيد ولا تنقص حفاظاً على الصداقة والقربى والأخوة.. والسلام العالمي.