البحث

كتاب سبينوزا .. رسالة في اللاهوت والسياسة.pdf في هذا الكتاب يهدف سبينوزا لتقليم أظافر السلطة الدينية ، ويخضع الاساطير التاريخي...

تحميل كتاب رسالة في اللاهوت والسياسة.pdf لــ سبينوزا


كتاب سبينوزا .. رسالة في اللاهوت والسياسة.pdf



في هذا الكتاب يهدف سبينوزا لتقليم أظافر السلطة الدينية ، ويخضع الاساطير التاريخية للأديان ( اليهودية تحديدا والمسيحية بدرجة أقل ) لتمحيص العقل وللنقد التاريخي ، ولا يقبل منها إلا ما يتفق مع العقل حتى لو أدى ذلك لهدم الأسس والمصادر اللاهوتية للأديان السماوية ، يرفض سبينوزا قبول أي تقديس لما يخالف العقل أو النور الطبيعي .

هناك ثلاثة مقدمات يرتكز عليها منهج سبينوزا الديكارتي في بحث قضية الدين ، أولا / هو يؤمن بـ ( وحدة الوجود ) ، لا يفصل سبينوزا بين الموجودات وبين الله الخالق ؛ بل الله هو الوجود الأزلي اللامتناهي ، وعليه فإن { كل الأشياء الطبيعية أفعال الله ، وقدرة الله هي ذاتها قدرة الطبيعة .. ولا تنفصل إرادة الله عن ذاته } أي أن الله لا يمكن أن يريد شيئا إلا بما يتفق مع القوانين الأزلية والراسخة للطبيعة .

إذن { لما كان وجود الله غير معروف بذاته ، فمن الواجب استنتاجه من أفكار تبلغ من الرسوخ والثبات حدا لايمكن معه وجود أو تصور وجود قوة قادرة على تغييرها .. } وبالتالي فإن الوحي والمعجزات لا يمكن أن تعطينا يقينا بوجود الله ، { بل على العكس من ذلك تجعلنا نشك في وجوده } لأن الشك في قوانين الطبيعة يجعلنا نشك في العلة الأولى ( أي الله عز وجل ) ، وبالعكس كلما ازدادت معفتنا بالأشياء الطبيعية وازداد تصورنا وضوحا لكيفية اعتمادها على العلة الأولى ، وكيفية حدوثها طبقا لقوانين الطبيعة الأزلية ؛ ازددنا معرفة بالله وبارادته .

ثانيا / يؤمن سبينوزا بقدرة العقل على معرفة الله عز وجل من خلال ( النور الفطري ) ، وعليه فإن العقل بأفكاره الواضحة هو أساس الإيمان والمصدر الأمثل لليقيقن ، بينما تعاليم الأنبياء تأتي في المرتبة الثانية لمن لا يستطيعون معرفة الله من خلال هذا النور الفطري .

والنور الفطري يعتمد على النظر والتأمل في الطبيعة ، لا باعتبارها موجودات ؛ بل باعتبارها دليلا على أوامر الله وقدرته ، { فما تعرفه بالنور الفطري يعتمد على معرفة الله وحدها وعلى اوامره الأزلية } والتي هي في الأصل قوانين الطبيعة ونواميسها .

إذن فالعقل لا يحتاج لواسطة في التعرف على الله ، بينما عقول العامة التي هي أقل شأا تنكر النور الفطري وتبحث عن الخرافات والمصادر غير الطبيعية في إثبات ومعرفة الله عز وجل .

ثالثا / يرى سبينوزا أن جوهر الإيمان ( سواء كان مصدره النور الفطري أو الوحي ) هو حث الناس على التقوى وتوجيههم نحو الطاعو ، وأن مغزى أي دين هو العدل والإحسان تجاه الأخرين وليس الإعتقاد بأسرار لاهوتية غيبية { فالكتاب المقدس لا يدين الجهل بل العصيان وحده .. } ، وعليه فإن ما يجب قبوله من الوحي هي التعاليم والدروس الأخلاقية وحدها ، وهي مشتركة بين جميع الأديان كما أنها متفقة مع النور الفطري ، أما الأساطير والقصص الموجودة في الكتب المقدسة فيجب أن تخضع للنقد ، ولا يمكن قبولها إلا إذا إتفقت مع النور الفطري ( العقل ) 

هذه هي الأفكار العامة لفلسفة الدين عند سبينوزا ، أما تفصيلات رؤيته حول النبوة والوحي والمعجزات والتوراة فهي موجودة في مقدمة د. حسن حنفي وفي الكتاب نفسه لمن يريد الاستزادة 

تخالف أفكار سبينوزا العقيدة الإسلامية لأنه أقام منهجه على نقد اليهودية والمسيحية في محاولة كشف تناقض نصوص العهد القديم ، وإنكار تلقي تلاميذ المسيح لوحي سماوي ، أما الوحي في الإسلام باعتباره نصا محفوظا لكلام الله فلا يمكن تطبيق هذا لمنهج عليه ، لم يتناول سبينوزا الدين الإسلامي في كتابه ، لأنه كان موجه بالأساس للأوروبيين ، على لرغم من ذلك فإن الكثير من أفكار سبينوزا تتفق مع بعض التراث الإسلامي ، خاصة وحدة الوجود عند الحلاج وبعض الصوفيين ، وتقديس قدرة العقل عند إبن رشد ، وكذلك بعض أفكار المعتزلة .

بقي أن نتناول الجانب السياسي في هذا الكتاب ، وهو لا يختلف كثيرا عن نظرية العقد الإتماعي التي ظهرت في عصر النهضة الأوروبية بالقرن السابع عشر ، يعزز سبينوزا من سلطة الدولة بشكل مطلق ، والحاكم لا يلتزم بأي قانون لأن المواطنيين فوضوا له بموجب عقد صريح أو ضمني كل قدرة كانت لديهم للمحافظة على أنفسهم ، والسلطة المدنية لها حق تحديد أي القوانين التي تتفق مع الدين ، وكذلك لها الحق الوحيد في تفسير العقيدة الدينية .

وفي خطوة أخيرة لهدم السلطة الدينية ، يرى سبينوزا أن الله يحكم البشر من خلال السلطة الحاكمة وحدها ، وليس من خلال رجال الدين ، وهؤلاء الأخيرون لم يعد لديهم دور في المجتمع مادام الدين يمكن الحصول عليه وتفسيره من خلال النور الفطري ، أو القواعد الأخلاقية الواضحة بذاتها في الكتب المقدسة ، والتي يمكن لأي فرد أن يفسرها ويفهمها وحده .

كذلك فإن للمواطنين الحق في حرية التعبير والتفكير في الدولة { والفتن التي تثار باسم الدين لا تحدث إلا عند سن قولنين متعلقة بموضوعات النظر والتأمل ، فتدان بعض الأراء على أنها جرائم ، ويقع أصحابها تحت طائلة العقاب .. ولو كان القانون العام يقضي بأن الأفعال وحدها هي التي تخضع للقانون بينما الأقوال لا تخضع مطلقا للعقاب ؛ لما امكن لمثل هذه الفتن أن تتمسح بالقانون ، ولما تحولت الخلافات في الرأي أبدا إلى فتن } 

كتاب على درجة كبيرة من الأهمية لمحبي القراءة الفلسفية ومن يقدرون قيمة الحرية بشكل عام ، لا تشعر أثناء القراءة أنه مترجم أو أنه كتب في منتصف القرن السابع عشر .. كتاب لابد ىأن تقرأه