البحث

تحميل كتاب تاريخية الفكر العربي الاسلامي  محمد اركون Mohamed Faiez  كتاب مهم لعدة أسباب: أولهم أنه موجه بشكل كبير للوسط الثقاف...

تحميل كتاب تاريخية الفكر العربي الاسلامي محمد اركون


تحميل كتاب تاريخية الفكر العربي الاسلامي  محمد اركون


Mohamed Faiez 
كتاب مهم لعدة أسباب: أولهم أنه موجه بشكل كبير للوسط الثقافي والفكري الغربي، هذه المنظومة التي، بقصد أو غير قصد، ترسخ صورة الإسلام النمطية التي يصر على التأكيد عليها التيار الديني الرسمي، وثانيها محاولة تقديم قراءة تاريخية للفكر الإسلامي، وهو الفكر الذي يتم تصويره بصفته هو الدين نفسه، من خلال تفكيك هذا البناء الفكري، والعودة لأصول تكوينه، وحاولة وضع خطوط عريضة تمكن من قراءته بعيدًا عن هذه القراءة التبريرية والافتخارية والجدالية مع الغرب.

أما فيما يخص السبب الأول فهو يقدم نقدًا علميًا لآليات اشتغال الإسلاميات الكلاسيكية، أو الاستشراق، مشيرًا إلى اتساقه شبه الكامل، إلا في حالات نادرة مع الفكر الديني الرسمي، وناقدًا لمنهجه التقليدي في دراسة الإسلام، هذا المنهج الذي يعتمد على الروايات الرسمية المعتمدة من الفكر القائم، وتجاهل، بقصد أو بغير قصد أيضًا، غيرها من المرويات، بل وتجاهل دةور "المخيال الشعبي" كما يسميه، والنظر للتاريخ، فيما يخص الإسلام فقط بصفته تاريخًا تراتبيًا، بعزله عن الظروف الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية.

وأهم ما في هذه الجزئية، وهي المتضمنة في الفصول الأولى من الكتاب، أو بالأحرى في غالبية فصوله، هو كشف زيف اداعاءات الأصوليين بأن هناك محاولة من المستشرقين لهدم الدين، أو ما يتصورون أنه الدين.

وأما بخصوص السبب الثاني فإنه يقدم قراءة نقدية لأحد الأسماء المهمة، وذات الدور البارز في تشكيل المنظومة الدينية المعروفة بـ"أهل السنة والجماعة"، وهو الإمام الشافعي - رحمه الله - من خلال تقديم خطوط عريضة ينبني عليه منهجه، وكيفية تأثير هذه القواعد في بناء منظومة صارمة، تحتكر الدين وتقدم منهجًا "أرثوذكسيًا" يستبعد ما سواه من المناهج، ولعل في هذه التسمية، التي أقابلها للمرة الأولى مع أركون ما يوحد بين الأصوليين في كل دين، وما يضع إطارًا لكل هذه المنظومات الفكرية المغلقة، غير القابلة للتجديد، والمحتكرة لقراءة الدين. وبذكر الإمام الشافعي فإنه من المفيد، والمفيد جدًا، الرجوع للدكتور نصر أبو زيد -عليه رحمة الله- في بحثه الشهير "الإمام الشافعي وتأسيس الأيدولوجية الوسطية"؛ ففيهما، أي في هذين البحثين إجابة شبه شافية عن كيفية تشكل ما صار يعرف الآن بأنه الدين القويم الذي ما عداه باطل،طبعًا من شيعة ومعتزلة وخوارج.

ومن أهم فصول الكتاب الفصل الأخير الوسوم بـ"الإسلام والعلمنة"، وفيه يوضح كيف استنطقت الآيات، المفتوحة على دلالات عديدة، لتنطق بفكر جماعة معينة، وكيف تحول تشريعات بشرية تجادلت مع الواقع، وحاولت إيجاد حلول لمسائل طارئة ومرتبطة بظروف المجتمعات المختلفة بيئيًا وثقافيًا واجتماعيًا، أوقل يوضح كيف تحولت هذه التشريعات إلى تشريعات إلهية، بردها إلى الآيات التي "لا تنطق وإنما ينطق بها الرجال" كما يقول الإمام علي - رضي الله عنه -.

ثمة مجهود مهم أيضًا وهو الفصل الخاص بالجدل بين المذهبين السني والشيعي، وهو الفصل الذي يطرح فكرة استناد كلا المذهبين للأصول الفكرية نفسها، واستخدام الآلية نفسها في بناء دين أرثوذكسي قويم، يرفض ما عداه، ولا يقبل من الآخر سوى أن يتخلى عن منهجه ينخرط في منهجه.

الكتاب عمومًا صرخة في وجه المنظومة العلمية الغربية لدراسة القرآن دراسة علمية، تضعه تحت منظار علوم الألسنيات والأنثروبولجيا وغيرها من العلوم الحديثة، التي لا يزال الإسلام، بخلاف المسيحية مثلًا، محرومًا منها، وقبل كل ذلك هي صرخة في وجه الفكر الإسلامي، للوقوف، ومراجعة الأفكار التي صارت "لا مفكر فيها" بتعريف أركون، أو بالأحرى بتوصيف العلم الحديث، هذه الأفكار التي صارت خارج دائرة التفكير، بقصد هنا، وتحولت إلى مسلمات اتخذت قدسية الدين، وهي المنهجية التي لا إمكانية للنهضة العلمية والفكرية، ولا سبيل للتوجه نحو الحداثة دون استخدامها، ولنا في أوروبا عبرة، ولكن من يسمع؟