البحث

تحميل رواية الحمامة - باتريك سوزكيند.pdf عاش جوناثان نويل وقتاً بائساً في بداية ح...

تحميل رواية الحمامة لــ باتريك سوزكيند.pdf

تحميل رواية الحمامة - باتريك سوزكيند.pdf





عاش جوناثان نويل وقتاً بائساً في بداية حياته: وفاة والدته، اختفاء مفاجئ للأب، والأخت لاحقاً، خيانة زوجته، كل هذه الأحداث جعلته يقرر بأن الحياة مع الناس لا تناسبه "وأن المرء إذا أراد الهدوء والسلامة أن يبتعد عنهم"(ص7). يسحب كل مدخراته ويتجه إلى باريس حيث عاش في انعزال تام لثلاثين سنة. ثلاثون سنة من الحياة الهادئة، نعم لم تحدث له أشياء عظيمة يمكن أن يُفاخر بها، لكن أيضاً لم يحدث له أي أمر سيء يُخل بتوازن حياته، حياة روتينية وشخص وجوده في الحياة كعدمه، هذا بالضبط ما يريده. خلال هذه الفترة، عمل كحارس لأحد البنوك. كانت هذه حياته حتى وصل العقد السادس من عمره، وفي أي أحد الأيام، من دون إنذار، يجد حمامة مجروحة أمام شًقته، كانت تنظر إليه وهي مُستلقية على الأرض غارقةً بدمها، هذا الموقف الذي جعل الرعب يدب في جوناثان (الحارس الذي يخاف من حمامة)، هذا الموقف هو الذي قلَب حياة الرجل رأساً على عقب، لتتطور الأحداث من بعدها، ويصل جوناثان لحالة يرى فيها "معالم الأشياء اختفت، وكل شي يترجرج"(ص38)ا

ماذا يقصد زوسكند برمزية الحمامة؟ إنها ديون وتراكمات الحياة أتت لتأخذ حقوقها من جوناثان المسكين، هذه الحمامة ما هي إلا "تجسيد الفوضى والخلل"(ص15) فوضى الحياة نفسها، وحياة جوناثان، الحياة التي هرب منها واختبئ في شقته بعيداً عنها لمدة 30 سنة. هل يُمكن كشّ هذه الحمامة؟ أن نطردها من النافذة ونعود بعدها لروتيننا اليومي؟ تجيب السيدة روكاد (عاملة نظافة في البناية التي يسكنها جوناثان) بكل برود بعد أن أخبرها بالأوساخ والبقع التي تركتها الحمامة أمام ممر شقته: "يجب طرد الحمامة وإغلاق الشباك" قالتها و "كأن العالم سيعود لتناسقه السابق بكل بساطة"(ص29). يبدو أن الحمامة مُسالمة مع من اختاروا أن يسيروا على طريق الحياة الصعب، فهاهو المُشرّد -الذي يراه جوناثان منذ 30 عاماً (لاحظ بأنها نفس فترة انعزال جوناثان) أثناء فترة الاستراحة في العمل- ينام في على كرسي عمومي، يتغوط بشكل محرج في الشارع، يأكل بشهية كبيرة، نالت منه الحياة، لكنه لم يهرب منها، لذا، بعدما أنهى وجبته، ونام "تنطنطت العصافير ونقرت فتات الخبز، ثم تبخترت حمامات عدة تغريها العصافير، إلى المقعد ومزقت رؤوس السردين بمناقيرها السوداء. لم تًقلق الطيور المشرد، وراح في نوم عميق ورضا"(ص46) إن المًشرد يدفع للحياة مُستحقاتها بشكل يومي، لاشيء عليه.

بعد يوم مُتعب، ومقلق، وأحداث قلبت كيانه (رغم أن الأحداث لا تعدو أن تكن أموراً بسيطة لو نظرنا لها بنظرة محايدة: تمزق بنطال، سرحان أثناء العمل، و .. حمامة. لكن باتريك كتبها بشكل مؤثر، بطريقة جعلنا نتفهم هذا الجنون) يصل جوناثان إلى فندق، لقد هرب من ملاذه الخاص، من شقته، لقد هرب من مَهربه. يتناول عشاءه، ويعانق السرير ويهمس: "غداً اقتل نفسي"(ص72) لقد قرر. توازن حياته اختل ولم يعد قادراً على مواصلة العيش، عندما يستيقظ من أصوات الرعد العالية، يتوه في هلوسته ويُخيّل إليه بانه طفل، بأنه محاطٌ بالناس، بأهله. ربما أدرك بان للانعزال عواقبه، وأن الحياة لا تكون إلا مع البشر. إذن مالحل؟ هل يكون الانتحار ؟ خلال 30 عاماً كان جوناثان كالصنم الذي لا يتحرك. كان حارساً و "الحارس مثل أبي الهول، وفعله لا يكمن في القيام بشيء ما، بل في حضوره الجسدي"(ص35) جوناثان كان خارج نطاق الحياة. وإذا أراد أن يعيش عليه أن يسير، عليه أن يجري ويمشي. في المشي تكمن قوة شافية"(ص67)ا". وبعد أن خرج في الفجر، وظننا بأنه في طريقه ليُنهي حياته، إذا به يسير بخطى خفيفة ومرحة، وبدل أن يتجنب برك الماء، يتجه إليها، وتغوص قدماه بها، مستمتعا بنشر رذاذ الماء نحو واجهات المحلات، "توسخت" قدماه، لكن يبدو بأنه لم يعد يبالي. يذهب إلى شقته الحبيبة، ويقف على أخر الدرج قبل أن يدلف إلى الممر، يتنفس بعمق، ويمشي نحو شقته. قرر أن يعيش الحياة بعدم منطقيتها، وأن يتحول من أبي الهول إلى إنسان يمشي. وبسبب هذا، اختفت الحمامة