البحث

تحميل رواية الاسم على طرف اللسان   لـ باسكال كينيارد يحاول الكاتب الفرنسي باسكال كينيار ...

تحميل رواية الاسم على طرف اللسان لـ باسكال كينيارد

تحميل رواية الاسم على طرف اللسان   لـ باسكال كينيارد






يحاول الكاتب الفرنسي باسكال كينيار في روايته، "الاسم على طرف اللسان"، رصد الكلمة الناقصة، لأن الكتابة هي وسيلته الوحيدة للكلام من خلال الصمت. يتطور نصه وفقاً لإزهار اللغة الحقة التي تجتاز ضائقة نقص الوجود لتصل إلى ذروة الإشراق، فتتيح اضاءة داخلية على الاشياء قبل تخلّقها، وعلى الذات حين تكون مجرد حلم من دون وجه.
يتخذ كينيارد من العجز اللغوي وسيلة لضخ الحركة الموسيقية في عناصر حكاية تراثية، مما يتيح له توجيهها وتطويرها وفق مفهومه الخاص، الذي يمكن اختزاله بالبحث عن اللغة الناقصة، أي البحث عن الأسماء التي تقف على طرف اللسان وتتجمع لتكون مملكة العجز، حيث يسكن الاطفال والموسيقيون والكتاب.
تتلمس الحكاية ماهية الجحيم، بوصفها الضفة المظلمة في أعماقنا، والمكان الذي يتعذب فيه الجميع. تدور حول خيّاط شاب جميل شغفت به فتاة فقيرة، فعرضت عليه الزواج فوافق شرط أن تطرّز حزاماً فريداً عجزت مهارته عن إبداعه. وحين فشلت وأدركها العجز، استجاب رغبتها في إنجاز الحزام سيد مجهول، مقابل أن لا تنسى اسمه، لأنها إذا نسيته بعد عام فستكون زوجة له. وبما أنها تنسى الاسم الذي يعلق على طرف اللسان، تتحول حياتها الزوجية مع الخياط إلى جحيم، بفعل الخوف والقلق من عودة السيد المجهول. فيضطر إلى الارتحال بحثاً عنه في الغابات والجبال وتحت الأرض، وكلما نجح في القبض على ناصية الاسم أفلت منه بسبب المشقة والتعب وفرط الحماسة حتى يحقق المعجزة ويحظى بالاسم فيستعيد حياته واكتماله.
هذه الحكاية البسيطة تقودنا إلى متاهة كينيارد اللغوية لرصد التخبط والتبعثر في الذاكرة عند استعادة اسم ما. فإضاعة كلمة ما، تعني أن اللغة في دواخلنا شيء مكتسب، أي أن مكوّناتها يمكن أن تتقهقر على طرف اللسان. أي أننا نستطيع الالتحاق بالإسطبل أو بالغابة أو ما قبل الطفولة أو الموت. لكن اللغة في الواقع ليست فعلاً منعكساً في دواخلنا، فلسنا حيوانات تتحدث كما ترى. هذه الفكرة تدفع كينيارد لإعادة إنشاء ذكرى أمه، وتثبيت صورة الطفل الذي يراهن، طوال حياته، على مجهود أمه من أجل العثور على اسم كانت تمتلك ذاكرته. هذا التماهي الكامل مع حركة تفكير الام وهي تجوب، في شقاء كبير، القنوات والطرق حيث ضلت كلمةٌ طريقها، جعل منه الطفل المحبوس في الكلمة الغائبة تحت شكل الصمت.
يقسم كينيارد المتبقي من الرواية خمسة أجزاء يناقش فيها علاقة العجز اللغوي بالأنوثة والذكورة الكونية. فالنساء هنّ آلهات القدر، ينجبن من أجل دفع الموت في سلسلة الأجيال، ثم يمررن المشعل الذي يحرق الأصابع ما إن يقربنه من وسط الموقد المشتعل، فيمنحن الوجه الذي لا وجه له، أي المعنى والمحتوى. بينما ينقل الآباء اسماً لا يعني شيئاً في حد ذاته، فيمنحون اللغة. بذلك يكون العجز تجربة يتقاسمها الجميع. والصعوبة التي تقدمها وظيفة الذاكرة لا تكمن في تكديس ما انطبع في مادة الجسد، بل في وظيفة الاختيار، وعودة عنصر وحيد في داخل ما تم تكديسه دفعة واحدة. تالياً، لا يغدو النسيان فقدان الذاكرة، إذ لا يتواجه مع محو شيء ما قابل للتفتت، بل يواجه طمر ما لا يمكن تحمله. ويغدو الإمساك عملية متعلقة بتنظيم نسيان "الباقي" الذي يجب أن يسقط من أجل الاحتفاظ بما نتمنى عودته، فتصبح الذاكرة اختيار ما هو آيل للنسيان، ثم حجز ما ننوي وضعه بعيداً من سيطرة النسيان الذي يؤسسها. لذلك تفرض الكلمات العالقة على طرف اللسان سطوتها علينا، كونها تبجل انفعالاً او خوفاً تم عيشهما في ذواتنا قبل اللغة. وهنا مكمن ضائقة نقص الوجود، التي تستتر خلف ضائقة الكلمة المكتسبة، مما يفتح باب الحنين ما بين جحيم الأثر وبديل الهلوسة حيث تتشكل هوية الأحلام.
حين يطل فرويد برأسه في النص بمقولة "الفكر هو بديل من رغبة مهلوسة"، تكتسب اللغة طابع مشهد بدائي يحترق، يؤجج الصراع الذي يبحث عن موت رعشي يرويه أخيراً وبشكل نهائي الموت العضوي. فالموت يستطيع الظهور لدى البشر انطلاقاً من السعادة، كما تؤكد النيرفانا، وهي الانفجار الداخلي المفني للذات في اللاـ رغبة. تالياً تغدو الكتابة والعثور على الكلمة، بمثابة الوصول المفاجئ، أي الاقتراب من الموقد المركزي حيث تستمد النار جذوتها. هذا التلاحم مع اللغة هو القصيدة، التي هي النقيض الصحيح للاسم على طرف اللسان. فالكلمة المستعادة هي اللغة التي تعيد بناء العالم، ما يجعل الهوية الشخصية معارك مستمرة ضد الحالات التي لا تستطيع الكلمات إزاءها أن تتزود المعنى.
ظلت الأم الغائبة جوهر حياة كينيارد، وبقي يُرجع كل شيء إلى تلك النظرة الضائعة المرتسمة على وجهها؛ وجه يتجمد في تركيزه بحثاً عن كلمة مفقودة تجد نفسها فيها. هذا "التوقف عند الصورة" هو الزمن الذي يوقف انهيار اللغة، ويعيد إحياءها في قلق الانتظار وترقب فرح الوضوح بمجرد العثور عليها. تغدو الكتابة هي الامساك بزمن الضياع، أي امتلاك الوقت للعثور على اللغز المنعكس في المرآة. واللغز هو المايا، أي انعكاس النيرفانا. تالياً، هو الوصول من جديد بفضل العجز الى ضفة اللغة. كحال المنبع الذي يصعد اليه سمك السلمون طول حياته بجنون كي يبيض، ثم يموت. والكتابة هي التوليد، الفعل المعادل للموت.
يحب كينيارد أن يخلق البشر حياتهم بوعي يقظ، فالأنا ليست قيداً يعوق ارتقاء البشرية فوق الذات من أجل معاينة الهوية. من هنا يستدعي اكتشاف "حلم الكلمات الحقة في عمق الصمت"،  الاهتمام بصفاء الذهن، العقل، اللغة الحية، باعتبارها جنبات صغيرة تتطلب عناية فائقة، وتموت حين لا تعثر على تربة صالحة في ذواتنا