البحث

 إيران الخفية - راي تقية ترجمة: أيهم الصباغ الناشر: العبيكان - الرياض  الطبعة: 2010 350 ص...

إيران الخفية - راي تقية


 إيران الخفية - راي تقية
ترجمة: أيهم الصباغ
الناشر: العبيكان - الرياض
 الطبعة: 2010 350 صفحة الحجم: 5.3





 تكثف الولايات المتحدة جهودها للضغط على إيران كي تتخلى عن طموحاتها النووية وتجمد أنشطة تخصيب اليورانيوم، وهو الأمر الذي ترفضه حكومة طهران رفضا قاطعا وتقول إنها لن تتخلى بأي ثمن عن حقها المشروع في استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية شأنها في ذلك شأن جميع الدول بموجب معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية. غير أن الولايات المتحدة تتهم طهران باستخدام البرنامج النووي السلمي كغطاء لإخفاء برنامج عسكري تسلحي نووي وهو الأمر الذي تنفيه إيران نفيا قاطعا وتقول إن أنشطتها النووية تقتصر على الجانب السلمي لسد حاجياتها من الطاقة الكهربائية، كما أنها أشارت مرارا إلى تصريحات المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران أية الله علي خامنئي الذي قال إن الأسلحة النووية مخالفة للشريعة الإسلامية وبالتالي فإن الجمهورية الإسلامية لا تسعى للحصول عليها. وفي الوقت الذي لوحت فيه الولايات المتحدة باستصدار قرار من مجلس الأمن الدولي يقضي بفرض عقوبات دولية على إيران، صعدت الأخيرة من لهجة التحدي وحذرت من عواقب فرض مثل العقوبات عليها، كما أنه في الوقت الذي أفادت فيه بعض التقارير بأن الولايات المتحدة قد تقوم بقصف بعض المنشآت النووية الإيرانية، قامت طهران بإجراء تدريبات عسكرية مكثفة ، وأعلنت إجراء تجارب إطلاق أسلحة جديدة منها صواريخ بعيدة المدى وطوربيدات. وفي خضم كل ذلك تشتد حدة الخطابات السياسية المتبادلة بين المسئولين الأمريكيين والإيرانيين ولهجة التهديد والوعيد. وفي هذا الإطار صدر كتاب جديد بعنوان"إيران الخفية: التناقض الذاتي والقوة في الجمهورية الإسلامية" للمؤلف راي تقية وهو كبير الباحثين في مجلس العلاقات الخارجية  ومتخصص في الشئون الإيرانية وقضايا الحركات الإسلامية والسياسات في الشرق الأوسط. ويتضمن هذا الكتاب أفكارا وتصورات جديدة ومختلفة عن التصورات الرائجة في واشنطن بشأن النظام الإيراني وسياساته سواء الداخلية أو الخارجية وخاصة طبيعة علاقته بالولايات المتحدة. أساس المشكلة بين واشنطن وطهران يقول تقية إن التصريحات غير الديبلوماسية المتبادلة طغت على العلاقات الأمريكية الإيرانية منذ اندلاع الثورة الإسلامية في إيران، ويشدد على أن السبب الأساسي في ذلك هو سوء فهم متبادل للآخر بين الجانبين على مدى أكثر من ربع قرن، إذ أن الفشل في إدراك وفهم النظام الإيراني كان ولا يزال هو الطابع الغالب على الحكومات الأمريكية المتتالية بمختلف توجهاتها وليس حكرا فقط على حكومة الرئيس بوش. ويقول" منذ قيام الثورة الأصلية عام 1979 التي أقامت نظام الجمهورية الإسلامية وحتى المواجهة الأخيرة حول تطلعات إيران النووية، أخفقت الولايات المتحدة وبشكل متكرر في فهم طبقة رجال الدين الحاكمة في إيران". ويقول إن عدم الفهم هذا هو السبب وراء تأزيم العلاقات بين واشنطن وطهران، وأنه من الحري أن تتخلى الولايات المتحدة عن الصورة المغلوطة لديها عن النظام السياسي الإيراني وتدرك طبيعته الحقيقية لكي تتعامل معه بشكل أكثر فاعلية ووتتوقف عن التصرفات والتصريحات التي تأتي بنتائج عكسية. ويوضح تقية أن وصف الرئيس بوش للنظام الحاكم في إيران بأنه نظام سلطوي يقوم من خلاله رجال دين غير منتخبين بفرض إرادتهم على الشعب هو وصف غير دقيق وغير صحيح، إذ أن إيران تشهد حراكا سياسيا مستمرا وهي بعيدة كل البعد عن أن تكون خاضعة لنظام سلطوي جامد. المؤسسات المختلفة ونتائج الإنتخابات الشعبية والفصائل السياسية تلعب دورا بارزا في الحياة السياسية الإيرانية كما أن حدة الجدل المستمر تشتد داخل البرلمان الإيراني وداخل مؤسسة الرئاسة وفي وسائل الإعلام والمنتديات بين مختلف التيارات السياسية والفكرية للحصول على القوة السياسية والنفوذ في ظل ثقافة سياسية تعتمد على التنافس الحاد، ويؤكد الكاتب أن ذلك التفاعل المتواصل والشد والجذب بين مختلف التيارات والمؤسسات هو الذي يحدد التوجهات والسياسيات الإيرانية. يقول تقية: "إن إيران اليوم هي دولة تبحث عن هوية، دولة تتقلب بين وعود الحداثة الديمقراطية وبين التقاليد الرجعية. وعلى الرغم من جميع إخفاقات الحركة الإصلاحية التي قادها الرئيس محمد خاتمي، تبقى تركة نجاحاتها الانتخابية عامي 1997 و 2001 هي أنها جعلت من المستحيل تحويل إيران إلى دولة سلطوية صارمة، إن الدعوة إلى التمثيل السياسي وحكم القانون والمحاسبة والمساواة، كلها حولت المواطن الإيراني العادي من متفرج سلبي على سياسات رجال الدين إلى عنصر فعال من أجل التغيير". مستقبل الإصلاح في إيران يقول الكاتب إن تنوع قوى التقدم والإصلاح في إيران هو السبب وراء قوتها ومرونتها، إذ أن رجال الدين الإصلاحيين والشباب المتحرر والطبقة المتوسطة المقهورة بالإضافة إلى المثقفين الساعين إلى حرية التفكير والرأي اتحدوا في مسعاهم ومطالبهم من أجل إقامة حكومة مسئولة أمام الشعب تعكس تطلعاته ورغباته. ويضيف الكاتب " أنه على الرغم مما يبدو أنه احتكار للسلطة من قبل المحافظين ونجاح رجل مشبع بالإيديولوجية المحافظة في الانتخابات الرئاسية التي جرت عام 2005 إلا أن إيران ستتغير، فعلى المدى البعيد لن يكون من الممكن أن يقبل الشباب الإيراني بالتغييرات الشكلية ولن يتم إخراسه من خلال التهديدات والإرغام". لكن وعلى الرغم من ذلك يشدد الكاتب على ضرورة عدم فرض التغيير على إيران من الخارج لأن ذلك لن يأتي سوى بنتائج عكسية ولن يسفر سوى عن تكريس السلطة في يد رجال الدين المحافظين وتلاميذ زعيم الثورة الإسلامية الراحل أية الله الخميني المتشبعين بأفكاره والمؤمنين بمبادئ الثورة الإسلامية ويحاولون إعادة فرضها وتكريسها في إيران. كما يشدد تقية على أن الإنتقال الديمقراطي في إيران يجب أن ينبع من الداخل وبالشروط والسرعة التي يحددها الإيرانيون أنفسهم. ويشير الكاتب إلى أن دمج الرئيس بوش لإيران في محور الشر وتشكيكه في المسار السياسي الإيراني من خلال اعتباره الانتخابات التشريعية والرئاسية الأخيرة على أنها انتخابات مزورة وغير نزيهة حتى قبل أن يتم إجراؤها لم يؤد سوى إلى تقويض جهود الإصلاحيين والمعتدلين ودعاة الديمقراطية في إيران، إذ أنه يعطي الذخيرة للمحافظين المتشددين لإتهام أولئك الديمقراطيين والمعتدلين بأنهم عملاء للغرب يحاولون تكريس الهيمنة الغربية، ويوضح ذلك بالقول: "على خلاف التصور الذي تقدمه واشنطن، فإن الخلاف في إيران ليس مجرد نزاع بين الشعب ورجال الدين، إن السياسات الطائفية في إيران والإنقسامات الأيديولوجية والمنافسة السياسية هي أمور أكثر تعقيدا تنطوي على الكثير من الاشياء". وهنا يشدد تقية على أنه يجب إدراك أن التيار المحافظ في إيران يستمد قوته من الأزمات الخارجية فضغوط الولايات المتحدة واستهدافها لإيران لا تخدم سوى المحافظين وتزيد من تكريس السلطة بيدهم وتقطع الطريق أمام المعتدلين، وأبرز مثال على ذلك أنه في الوقت الذي صعدت فيه حكومة الرئيس بوش ضغوطها على إيران بسبب برنامجها النووي وسجلها في مجال حقوق الإنسان فاز محمود أحمدي نجاد ذو المواقف المتصلبة والمتحدية للولايات المتحدة بنسبة أكثر من ستين في المائة من الأصوات في انتخابات الرئاسية التي كان يتنافس فيها أيضا الرئيس السابق أكبر هاشمي رفسنجاني وبعض المعتدلين الذين دعوا في برامجهم الانتخابية إلى التحرر الثقافي والإصلاح السياسي وتعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة. ويعزو الكاتب سبب ذلك في جهل الحكومة الأمريكية لطبيعة النظام في إيران والتفاعل بين مؤسساته وتياراته الفكرية المختلفة. الإمام الخميني وطبيعة الثورة الإيرانية يوضح الكتاب أن الثورة في إيران عام 1979 لم تكن ثورة إسلامية بالدرجة الأولى على الرغم من أن الشخصية التي تزعمتها كانت هي الإمام الخميني ذو التوجهات الإسلامية. فقوة الخميني من الناحية السياسية تتمثل في أنه استطاع التوفيق والجمع بين التيارات الفكرية والإيديولوجية المختلفة والطبقات الاجتماعية في إيران واستغلال غضبها المشترك على سياسات النظام الملكي إبان حكم الشاه سواء في المجال الإقتصادي أو الإجتماعي أو حتى في مجال السياسة الخارجية والعلاقة مع الولايات المتحدة، حتى أن الخميني كان يستخدم عبارات وشعارات في خطاباته مشابهة لتلك التي كان يستخدمها الإشتراكيون فيما يتعلق بالتباين بين الطبقات وأخرى كان يستخدمها معارضو الإمبرالية عندما يتعلق الأمر بقضية التحرر من الهيمنة الإستعماري، كل ذلك بهدف إيجاد القبول لدى مختلف الشرائح الإجتماعية والتيارات الفكرية أنذاك في إيران. ويقول الكاتب إن الثورة في إيران كانت ثورة خليط من رجال الدين والليبراليين والتقدميين وغيرهم من التيارات، غير أن الإمام الخميني استغل النزاعات الخارجية لتكريس السلطة في يده وفي يد الموالين له من بعده، إذ أنه استغل أزمة الرهائن الأمريكيين أواخر عام 1979 ونشوب الحرب مع العراق في الثمانيات لتقويض دور منصب رئاسة الجمهورية الذي كان يتولاه بني صدر وتبني تعديلات دستورية تقوض المؤسسات الديمقراطية في البلاد مثل منصب الرئاسة والبرلمان وتعزز صلاحيات رجال الدين المحافظين. التعددية الفكرية والسياسية في إيران يوضح الكاتب أنه إلى جانب المثقفين الذي يدعون إلى حرية التفكير والرأي والنساء الساعيات إلى التحرر والطلبة التقدميين والطبقة المتوسطة المقهورة والتيارات الديمقراطية هناك اختلافات حتى داخل المؤسسة الدينية في إيران. إذ أن طبقة رجال الدين الحاكمة تنقسم بدورها إلى ثلاثة اتجاهات فكرية تتصارع فيما بينها باستمرار وتتنافس بشدة على السلطة وتحديد سياسات الجمهورية الإسلامية، فهناك فئة المحافظين المتشددين التي تشمل رجال الدين الذين عاصروا الثورة الإسلامية وزعيمها أية الله الخميني ومن بينهم المرشد الأعلى أية الله علي خامنئي بالإضافة إلى الجيل الجديد من المحافظين ومن بينهم الرئيس الحالي محمود أحمدي نجاد وهم تلاميذ الخميني المؤمنين بأفكار الثورة الإسلامية والذين يريدون العودة إلى جذور الثورة وفرضها من جديد لتصحيح ما يعتبرونه بالعيوب والتراجع الذي شاب الأمة الإيرانية بسبب جهود الإصلاحيين ودعاة الديمقراطية. أما الفئة الثانية من طبقة رجال الدين الحاكمة في إيران هي الطبقة العملية أو البراغماتية والتي يمثلها الرئيس السابق أكبر هاشمي رفسنجاني والتي تعتمد مبدأ الواقعية السياسية وتعمل على إدخال إصلاحات سياسية في البلاد والإنفتاح على العالم الخارجي من خلال تحسين علاقات إيران بالولايات المتحدة وباقي الدول الأخرى. كما أن الطبقة الثالثة هي طبقة رجال الدين الإصلاحيين والتي تتمثل في حركة الإصلاح التي يتزعمها الرئيس السابق محمد خاتمي وتهدف إلى حوار الثقافات وتبني المبادئ الديمقراطية وتعزيز مؤسسات الدولة وتحديد سياسات البلاد بناء على إرادة الشعب وهو ما يمثل تهديدا بالنسبة للمحافظين المتشددين لأن من شأن ذلك إضعاف المؤسسات غير المنتخبة التي تضمن التمسك بأفكار الثورة الإسلامية وإيجاد الاسباب لفرضها ومن بينها منصب المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الذي يعتبر أعلى سلطة في البلاد وكذلك مجلس صيانة تشخيص الدستور الذي يسيطر عليه المحافظون ويعمل على مراقبة مدى دستورية القوانين والقرارات الصادرة عن رئيس الجمهورية وعن البرلمان. وهنا بحسب الكاتب تكمن عبقرية الإمام الخميني الذي استطاع من خلال حنكته وذهائه السياسي في الثمانينات تبني تعديلات دستورية تقضي بفرض تركيبة سياسية معينة تضمن استمرار الجمهورية الإسلامية في إيران. وتلك التركيبة توفق بين فسح المجال أمام التطلعات والمبادئ الديمقراطية (من خلال وجود مؤسسات الدولة وإجراء الانتخابات) وبين روح وأفكار الثورة الإسلامية التي تعتمد على الإلتزام بالمدائ الدينية الإسلامية والهوية القومية الإيرانية من خلال وجود مؤسسات كمنصب المرشد الأعلى ومجلس صيانة تشخيص الدستور غير المنتخب تعمل على مراقبة واحتواء تلك التطلعات الديمقراطية حتى لا تخرج عن الإطار المسموح به. كيفية إزالة اللبس وسوء الفهم المتبادل من بين التوصيات التي يعرضها الكاتب للخروج من حالة عدم الفهم المتبادل بين إيران والولايات المتحدة وإقامة علاقات رصينة بينهما البدء بإجراء واشنطن مفاوضات مباشرة مع الجمهورية الإسلامية حول القضايا البالغة الأهمية كبرنامج إيران النووي ودعم الإرهاب ومستقبل العراق. ويشدد الكاتب على أن عدم التوصل إلى حل بشأن تلك القضايا في الوقت الذي تحرز فيه إيران تقدما في المجال النووي قد يسفر عن دفع النظام الحاكم في طهران نحو تجاوز الخطوط الحمراء واحتمال تطوريها سلاحا نوويا. ويقول الكاتب إن أفضل وسيلة للقيام بذلك هو اعتماد استراتيجية ديبلوماسية ذات محاور ثلاثة: يركز المحور الأول فيها على إجراء مفاوضات بشأن الملف النووي، ويركز الثاني على قضية دعم المنظمات التي تعتبرها الولايات المتحدة جماعات إرهابية، والثالث يتركز على مستقبل العراق. ويوصي تقية بضرورة الفصل بين محاور التفاوض الثلاثة وعدم ربط مصير بعضها بمدى التقدم الحاصل على المحاور الأخرى أو عدمه.