البحث

سليمان أبو الخير - الطريق إلى تدمر, كهف في الصحراء Anaszaidan rated it it was amazing يا رب الطف بنا..يا رب هذا ...

تحميل كتاب الطريق إلى تدمر, كهف في الصحراء لــ سليمان أبو الخير


سليمان أبو الخير - الطريق إلى تدمر, كهف في الصحراء










Anaszaidan rated it it was amazing
يا رب الطف بنا..يا رب هذا كثير لا أقوى على النظر فيه

هكذا كانت حالتي وأنا أقرأ ما خطه سليمان أبو الخير الأردني في رحلة عذابه بين السجون السورية إلى أن استقر في سجن تدمر..بسبب ما يظنه وشاية من خصم له بأنه من الإخوان المسلمين. فورطة الشاب أنه تخاصم مع سوري موال للنظام النصيري..تذكرت شكوى صديق لي من إيقافه هو وأبوه وأمه بسبب وشاية وصلت إلى المنافذ الحدودية السورية بأنهم من الإخوان..ليكتشفوا مع نص الوشاية كلمة (فركة أذن) أي اجعلوا عقوبتهم مخففة...وهو ما أنجاهم من الاعتقال..إذ لا يعقل أن ينجو إخواني من الاعتقال [لأن تهمة الانتماء إلى الإخوان عقوبتها الإعدام وليس فرك الأذن] ولما استحضر كل من الأبوين أعمالهما السابقة؛ تذكرت الأم أنها فرضت باعتبارها مديرة لمدرسة بنات، على مدرّسة علوية جدولا متخما بالحصص الدراسية؛ مما تسبب في امتعاض المدرّسة العلوية ووشايتها، مع اشتراط العقوبة المخففة على العائلة!..وكانت العقوبة هي الحجز بالمطار وليس بسجن المخابرات إلى حين جلب واسطة ثقيلة تفيد بأن المتهمين ليسوا من الإخوان المسلمين!

لا يمكن المرور بسوريا دون توقع الأسوأ من عسكرهم،ففي فترة ما بعد احتلال العراق٢٠٠٣م، مرت فترة على سوريا كانوا يعتقلون من الفنادق الشبان الخليجيين بتهمة النية للتسلل إلى العراق. بعد الاعتقال يبدأ ابتزاز ذوي المعتقلين بدفع مبالغ مالية لقاء ملابس وغيارات وما إلى ذلك، ثم ابتزازهم لأجل دفع رشوة لإطلاق سراح ابنهم!!

سوريا يحكمهما لصوص وسفلة..جمعوا بين الحقد الطبقي والطائفي، وإرهاب الشعب سياسيا واجتماعيا عبر تطبيق نموذج حكم قد أكل عليه الدهر وشرب..وهو نظام عرفته أوروبا الشرقية..حيث الجميع يتجسس على الجميع. والكل يؤخذ بجريرة الواحد...بحيث يصبح حلم كل شخص بأن يكون له معرفة بقيادي حزبي يسهل له أمره عند الدوائر الحكومية وغيرها، وكل هذا لكي يحيا حياة طبيعية دون مميزات تذكر!!

يبدأ الكتاب بشرح الخلفية الاجتماعية لسليمان أبو الخير، يتيم الأم، الذي فقد أمه وهو طفل صغير. بكى عليها بحرقة آنذاك، وهو يتذكر انهيار وبكاء الجميع على وفاة أمه بعد مخاض ولادة متعسرة، وكيف كان يردد وهو يبكي
" من يغسل ملابسنا بعد اليوم؟من يطبخ لنا؟ من يقوم بتحميمنا؟ أسئلة كثيرة رحت أرددها حين راحت جدتي - رحمها الله - من خلال سحائب دموعها تردد، وهي تضمني إلى صدرها: أنا..أنا..أنا سأفعل لكم كل ذلك!".

ظل هذا الشعور بفقدان الحنان ملازما للكاتب بعد بلوغه..ففي السجن يكثر بين المضطهدين التآخي، والقلق على استدعاء أحدهم، والفرح به عند عودته..لم يستطع كاتبنا سليمان أبو الخير أن يكون كبقية السجناء، تعلو الفرحة محياه حين يتلقاه أصحابه في السجن بالترحاب...بل كان يبكي ويبكي، كلما اضطر لمواجهة حب وحنان افتقدهما كثيرا.

أستطيع القول بأن المقدمة لوحدها قبل ولوج أبو الخير إلى السجن مأساوية كافية لذرف الدموع عند أصحاب القلوب الضعيفة..كحال بقية الكتاب كما تبين لي فيما بعد.

في الكتاب وصف معبر لقهر الشعوب..فكل الشعب متهم حتى تثبت براءته، والكل يسمح باعتقاله، ولا كرامة لهم، يقول الكاتب: 

" بدت حلب كالنائمة الخائفة، أو المهجورة، فالطرقات خالية إلا من بعض المارة الذين ألجأتهم الحاجة القصوى للخروج في هذا الوقت الموبوء بالخوف والحذر، والمحلات التجارية أغلقت أبوابها على غير عادة، فحلب كما أعرفها مدينة لا تعرف النوم. رحنا نفتش عن مطعم، وبعد جهد جهيد عثرنا عليه، وكان أقرب منه إلى الحانة منه إلى مطعم، ما أن دلفنا حتى عبقت أنوفنا بروائح الخمر، تنبعث من أرتال السكارى الذين راحوا يترنحون! هؤلاء الوحيدون الذين بإمكانهم أن يوصلوا الليل في ظل دولة القهر والعهر! دولة الأفخاذ الجبلية المنصوبة! أما الشرفاء فقد التهمتهم السيارات السوداء..القادمة مع غبش الظلام..والسرايا المختلفة..ومظاهر التسلح التي ما فتأت تزرع الرعب في كل مكان".

يتابع سرد مشاهد الرعب في دمشق لما زارها:
"في المساء أردنا أن نمر بأسواق المدينة، فنصحتنا سيدة الدار ألا نفعل، وإن كان لا بد فعلى أن نبكر في العودة، وفي أسى قالت: صدقني يا بني، لقد ألقوا القبض على جارة لنا لأنها شتمت الغلاء علانية وشتمت من كان السبب في رفع قيمة السلع، والمواد الأساسية، في أحد المحلات التجارية! مضى على غيابها بسبب هذه الكلمات ما يزيد على ثلاثة أشهر".


"شعور غريب هذا الذي يصاحبك وانت واقف أمام شباك تدقيق أوراقك الثبوتية في عالمنا العربي! يسري فيك تيار الخوف عند كل التفاتة شرطي، وتبتلع ريقك عند كل سؤال"

"خذوا حذركم جيدا، ففي (باب الهوى) دورية لمخابرات محافظة إدلب العسكرية، تعتقل الناس دون تمييز، سيما الأردنيين منهم" 

يستحيل سرد جميع مواطن رعب الإنسان العربي في هذه المراجعة..فالرعب له أشكال، وترهيب العسكر للشعب له أشكال وطرق كثيرة، جعلت من الإنسان السوري عبر الزمان حذرا(ولماحا) يفهم لغة العسكر المتعنجه، والمرتشي، التي يعايشها السوري يوميا..يمكن فهم مقدار الرعب الذي يعيشه المواطن السوري من متابعة بعض المسرحيات التي يعلو فيها التصفيق عند الحديث عن المخابرات أو حزب البعث أو حتى مشاهد التعذيب في أقبية المخابرات.

يدخلنا الكاتب في أجواء الرعب التي عاشها باستمرار..يحدثنا عن ضرب المخابرات له ليل نهار...فالذهاب لجلب الطعام للمساجين داخل المهجع عملية بطولية تحتاج إلى أشداء قادرين على احتمال الضرب بالسياط وهم ذهابه وعودته بالطعام..عدم استعداد المساجين للتفتيش يعرضهم لتعذيب جماعي شديد، وليس لعقوبة تتناسب مع الخطأ

أجواء الرعب التي عاشها أبو الخير لا تنتهي..فهي جرعة يومية قد تزيد أو تنقص..لكنها لا تُنسى من السجان ولا من السجين ولو بعد حين.لا يخفف مصاب السجين عدا أمور عدة: رؤية الأشد ابتلاءً في السجن..وسماع الأذان وقراءة القرآن وترحيب المساجين بالسجين الوافد حديثا إليهم.

يوميات السجين في سوريا، خاصة إذا مر بسجن تدمر، لا تكون إلا انتقالا من مأساة إلى مصيبة..فقتل سجين تحت التعذيب أو ضرب أحدهم تحت التعذيب يجلب الكآبة والسوداوية إلى باقي السجناء. وأخذ أحدهم إلى الإعدام وتوصيته بإبلاغ السلام لمن سبقهم إلى الموت كلها أحداث تدفع المساجين إلى الانكفاء على بعضهم والبكاء بانتظار يوم آخر.

يستمر الكاتب في سرد مأساته بطريقة تكشف الحوارات التي دارت في السجن بين رفاق السلاح. فالكل يحمل الآخر سبب وصول الأوضاع إلى الأسوأ. [من لا يعرف الخلاف، فسببه أن مؤسس الطليعة المقاتلة مروان حديد كان أكثر عنادا وتصلبا مع نظام البعث من باقي قيادات الإخوان. ومن ثم فُصل (ولو ظاهريا) من جماعة الإخوان ليؤسس الطليعة المقاتلة، ويزداد الصراع حدة]. ولما كان جناح إخوان دمشق أكثر ليونة من إخوان حلب، زادت حدة الخلافات،ومع ظهور الطليعة كطرف ثالث؛ اختلطت الحقائق كما تختلط الأصوات عند احتدام الاختلاف. كما أن هناك خلافا وقع بين أكثرية صوفية وأقلية سلفية، . وفي كلا الخلافين كان المساجين يصرون على تصنيف سليمان أبو الخير كيف يقاطعه الطرف الآخر!

بعد خمس سنوات يأتي الفرج..لم ينس سليمان أن يخبرنا كيف خرج، وكيف أدرك من طريقة النداء وعدم تعذيبه وهو خارج من المهجع بأن الفرج قد آن أوانه..ليلتقي بعد عناء وعذاب بأبيه وباقي أفراد الأسرة..لمن لا يعرف هذا الشعور فليشاهد أسرى حماس والوفود التي تستقبل أسيرها..كيف تتداخل زغاريد النساء مع الدموع..!!

لم يدع أبو الخير كتابه ينتهي بقصة الإفراج..بل تحدث عن جرائم النظام البعثي وخباياه..وأركانه في الوقت الحاضر وحجم سرقاتهم من مقدرات سوريا..ليختم كتابه بقائمة بأسماء من لاقاهم في تدمر..ومن مات منهم..لعل الله يريح أهلوه وذويه ويحتسبوه شهيدا عند الله.