البحث

سحر الموجي في نقطة نون بقلم : د‏.‏ صلاح فضل سحر الموجي مبدعة مصرية شجاعة في ال...

تحميل رواية نون رواية سحر الموجي














سحر الموجي في نقطة نون

بقلم : د‏.‏ صلاح فضل





سحر الموجي مبدعة مصرية شجاعة في الاربعينيات من عمرها‏,‏ تجمع بين الحياة الأكاديمية بتدريس الأدب الانجليزي في الجامعة‏,‏ والحياة الإعلامية بالكتابة في الصحف والعمل بالاذاعة الموجهة لأوروبا‏,‏ أصدرت مجموعتين قصصيتين وروايتها الأم‏,‏ أو عملها الأستاذ‏-‏ أوبرا مايسترا‏-‏ كما يقول الغربيون‏-‏ بعنوان ملغز ومكتنز بالدلالات هو نون وكأنها تضع أمامنا قطعة من الكانفاه الباذخة المطرزة بخيوط ذهبية من الأساطير والأشعار‏,‏ والمنسوجة من حرير حياة المرأة المعاصرة تقدم فيها خلاصة مقطرة لثقافتها المصرية والانجليزية العميقة الضاربة في شعرية التاريخ والوجدان وكأن كل ما كتبته سحر الموجي من قبل كان مجرد تمهيد لهذا العمل الفذ الذي تبلغ فيه ذروة طاقتها الإبداعية‏.‏



عناقيد المفارقات‏:‏

تتألف الرواية‏,‏ بصفحاتها التي تصل الي ثلاثمائة وسبعين صفحة‏,‏ من أربعة أجزاء‏,‏ يتكون كل جزء من سبعة فصول‏,‏ ويستهل كل فصل بنص بارز من كتب الحكمة المقدسة أو الأساطير القديمة أو الأشعار اللافتة‏,‏ كما تتخللها نصوص أخري تاريخية وشعرية‏,‏ بنظام هندسي صارم وبنية ثقافية شديدة الكثافة والتماسك‏,‏ مما يجعل قراءتها عملا إبداعيا يحتاج الي صبر جهيد بمقدار ما يعد به من لذة ممتعة‏,‏ ولكي نقبض علي طرف من بريق الشعر والفلسفة في هذا النص يكفي أن نشهد مطلعه‏,‏ بشقيه الكهنوتي واليومي‏,‏ حيث يفتح الجزء الأول بعنوان في البدء كان الأبيض بكلمات عريضة تقول‏:‏



بينما كان الصغار في ذلك الجزء من المعبد المسمي بـ بيت الحياة يتعلمون فنون الكتابة وأصول الرياضيات‏,‏ اجتمع الفتيان والفتيات المتدربون علي الكهانة في فضاء بيت الأسرار المفتوح علي السماء‏,‏ التقوا في دائرة تحت شجرة الجميز العتيقة ينصتون إلي الكاهنة الأم‏:‏ الآن وقد تعلمتم أسرار النباتات والأعشاب وعرفتم كيف تداوي الطبيعة الأم علل الجسد‏,‏ تعالوا بنا نفهم كيف نصنع من الحكايا بلسما لجروح الروح‏.‏



وربما كان هذا أحد المطالع النادرة غير المقتبسة من نصوص الحكم القديمة‏,‏ وإن كان منسوجا علي منوالها‏,‏ فلنضعه بجوار ما تقوله الرواية المعاصرة بعد سطور قليلة‏:‏



حدث ذلك بعد نهاية يوم محاضرات طويل في الجامعة‏,‏ وقد تلبد ذهن سارة بغيوم منذرة‏,‏ أدارت سيارتها وزحفت بها ببطء داخل حرم الجامعة‏,‏ ملتفة حول مظاهرة للطلاب الذين رفعوا شعارات لا إله إلا الله شارون عدو الله خيبر خيبر يا يهود‏..‏ القدس لابد تعود وأخذ بضع مئات من الطالبات المحجبات والمنتقبات والطلاب ذوي الذقون يرددون هتافاتهم تضامنا مع الانتفاضة‏,‏ بينما تناثرت مجموعات من الطلاب حول الآرائك الخشبية وبجوار أسفل المباني أخذوا يتابعون المشهد وقد بدت علي ملامحهم علامات التسلي‏..‏ ابتسمت وهي تتأمل الفتيات وقد حشرن أجسادهن في جينزات مرقعة كالحة اللون‏,‏ وأكدت البلوزات الضيقة امتلاء صدورهن وتململها‏,‏ أما وجوههن فقد تكلست فوقها المساحيق الثقيلة بفعل الحر الخانق‏.‏ عناقيد المفارقات هي التي تعطي الكتابة مذاق الحياة وسخونتها وبهاءها‏,‏ فنحن إزاء مستويين من النصوص‏;‏ أحدهما من أدب الكهانة والحكمة‏,‏ حيث الأنوثة تصبح أمومة راعية مبدعة تجعل الحكايات مصدر البلسم الشافي لجروح الروح‏,‏ أما المستوي الثاني فهو صورة للحياة اليومية في الجامعة المصرية‏,‏ والثنائية الفادحة فيها بين الملتزمين والملتزمات وهمومهم القومية والدينية والآخري

ن بما يشف عنه ملبسهم وأوضاعهم من دلالات مفارقة‏,‏ في الرواية منذ مطلعها حكمة وثقافة‏,‏ وتمثيل لهموم المجتمع والسياسة‏,‏ لكن ما يميزها هو تلك القدرة الفنية علي تضفير النصوص والمشاهد بروية وإحكام‏.‏



الطابع الملحمي‏:‏

تدور الرواية حول مسارات ومصائر أربعة شخوص محورية‏,‏ ثلاث نساء هن‏:‏ سارة مدرسة علم النفس التي تكتب بحثا جامعيا‏-‏ تطور الي كتاب‏-‏ عن مطاردة الساحرات في اوروبا في العصور الوسطي وحرقهن باعتباره قرارا جماعيا غير معلن بنفي كل من يشرد خارجا علي قانون القطيع وتساعد تلاميذها ورفاقها علي اجتياز ازماتهم النفسية والاجتماعية‏,‏ منتظرة منهم ان يغيثوها بدورهم عندما تقع في دوامة الاحباط اثر فشلها في الزواج وصدمتها في الحب مثل الباقيات‏,‏ والثانية هي نورا نموذج فادح للمرأة المتحررة الي ابعد بكثير مما ذهبت اليه نورا ابسنحتي تصل الي حد الوقوع في شرك الادمان الناعم وتقف علي حافة الاكتئاب‏,‏ والثالثة هي دنيا الرقيقة المولدة من أب فلسطيني وأم مصرية‏,‏ والتي تعاني نتائج هذه الازدواجية في حياتها الخاصة وسلوكها السياسي قبل ان تعثر علي نفسها في فن التصوير‏,‏ أما الرجل الوحيد في الشلة فهو حسام الذي يري نفسه في مرآة صديقاته مطحونا بين العمل الاعلامي في احد مواقع الاخبار في النت والحياة العائلية الرتيبة القاتلة في المنزل‏,‏ لكن المدهش في الرواية ان حتحور ربة العشق والبهجة والموسيقي عند الفراعنة تقوم أحيانا بدور الراوية فيها‏,‏ وتتقمص

حيوات البطلات‏-‏ خاصة سارة‏,‏ وترعي مصائرهن‏,‏ وكأنها رجعت لتطل علي أحوال مصر وناسها‏,‏ أو بالأحري نسائها‏,‏ في مطلع القرن الحادي والعشرين‏.‏



ولأن الرواية مشفرة بمهارة بالغة‏,‏ تتطلب جهدا نقديا لفك إشاراتها لا يتسع له المقام‏,‏ حسبنا في ختام هذه النظرة العجلي أن نتأمل أسرار العنوان نون الممتد في عروق السردية كلها‏,‏ فنجد حتحور تصف لسارة حركتها حيث يجري نيل النوبة الأزرق هناك سألقي بجسدي المنهك فوق الموجات الناعمة‏,‏ سأرتفع إلي حافة النون وأهبط بهدوء إلي قلبها‏.‏ ستسلمني نون إلي نون أخري في متتالية تهدهد عقلي المتعب وسارة نفسها تري القمر هلالا نحيلا كنون لا تزال في بداياتها‏,‏ نون وليدة بلا نقطة هي النون الفرعونية في الهيروغليفية‏..‏ كانت تحب النون لأنها تشبه البحر ثم تتدارك في مشاهد أخري قائلة بأن من معانيها العربية الحوت والبحر أيضا‏,‏ وعندما تصف أشد لحظاتها الحميمة توهجا بالعشق والخصوبة المقدسة تري ذلك غوصا إلي حافة النون في موجات متتالية وتستحضر أساطير الحروف وسيمياء الكلمات‏,‏ حيث ترتبط النون بالقلم والكتابة في القرآن الكريم‏,‏ وتتوالي دلالات العنوان المطوية والمتراكمة بكثافة رمزية موازية لطبقات المعني في الرواية‏,‏ لتصبح سارة‏-‏ وهي المعادل الأوضح لصوت الرواية‏-‏ هي نقطة النون المقطرة بالنور والشعر‏,‏ والجمال الروحي‏,‏ والنبل الإنساني المبدع‏.