البحث

تحميل كتاب لــ التَّلَقِّي فـي النقد العربي بقلم : مراد حسن فطوم  ترتكز نظرية التلقي على أه...

تحميل كتاب لــ التَّلَقِّي فـي النقد العربي بقلم : مراد حسن فطوم

تحميل كتاب لــ التَّلَقِّي فـي النقد العربي بقلم : مراد حسن فطوم 









ترتكز نظرية التلقي على أهمية إيصال المادة الأدبية، وتقليبها على وجوهها، لإدراك أبعادها الجمالية والمعرفية, لذلك فهي تصب اهتمامها على آلية الاستجابة والأدوات التي يحملها المتلقي عندما يواجه نصاً ما, فالظاهرة الجمالية تطلب حساسية المتلقي ومستقبلات ذوقية ينتج عنها استثارة انفعالاته الجمالية وجذب اهتمامه إلى تلك المادة, ثم الغوص في البواطن المعرفية, من خلال ملكة الوعي ومرجعياته النقدية والثقافية، فللتلقي غاية جمالية ومعرفية تشترك في تحصيلها الحواس والثقافة والتأمل والخيال، والمتلقي يعيد بناء الأثر المعرفي في النص, ولكنه في الوقت ذاته يتذوق أبعاده الجمالية.



إن تذوق العمل الأدبي يمثل المرحلة الأولى في تلقيه, مرحلة الدهشة التي تغيب معها السلطة المعرفية للعقل, بقياساته ومنطقه وأحكامه الصارمة، فالذوق يساير ما يشعر به المتلقي أمام الاحتمالات الجمالية الموجودة في العمل الأدبي, وكلما تطابق الموقف العاطفي والوجداني في العمل مع مقابلاتها عند المتلقي, تثار عواطفه وذكرياته وانتباهه، وهو ما يؤدي إلى محاكاة الأبعاد الجمالية التي تمثل أمامه، ولكنّ الوعي يبحث عن المعنى, الذي يمثل الغاية المعرفية, في عملية الإيصال, والمعنى ينتج من تركيب الصور في عملية واعية قوامها التأمل والتخيل, ثم المقارنة والقياس مع ما يختزنه العقل من تجارب سابقة.



وتحمل ثقافة المتلقي أهمية كبرى في هذا العمل, لأنها الرافد الأساسي في كل عمل ذهني، وكما أن المبدع بحاجةٍ إلى ثراء ثقافي وخيالي لكتابة النص الأدبي, فكذلك المتلقي يعبر عن أنه يعي ذاته ويعي الآخر, من خلال تمثله تلك الحالة الثقافية في أثناء تلقيه العمل, فالتلقي حالة من التوازن الجمالي والثقافي بين المبدع والمتلقي، والقراءة ليست ثابتة أو نهائية، بل تتبع المتلقي, والعوامل المؤثرة في القراءة, وتهتم بالنص وبالإمكانات المختزنة فيه, وبانفتاحه أو انغلاقه أمام القارئ،فالتلقي يختلف باختلاف هذه العوامل, لأن تغيّر ظروف القراءة قد يؤدي إلى فهم أوسع أو أضيق, وهكذا فالقراءة تغاير مفهوم الفهم النهائي، ويقوم النص - بما يخفيه من الدلالات - في تعميق هذه المغايرة, فالنصوص ليست على السوية ذاتها في مثولها أمام القارئ, فثمة نصوص واضحة, ونصوص أقل وضوحاً, ونصوص ممتنعة لا تمنح مفاتيحها لكل القراء.



انطلاقاً من العلاقة بين النص وقارئه، وهي علاقة محكومة بمجموعة من العمليات النفسية والذهنية، يشترك فيها قرّاء الأدب على اختلاف ثقافاتهم، وعصورهم الزمنية، بدأ اهتمامي بنظرية التلقي، وهي نظرية تفسر تلك العمليات، وتضع منظومة من القواعد والمفاهيم النظرية التي تساعد على فهم عمليات التذوق والاستجابة والوعي، ومحاولة إدراك الحدث الذي ينشأ من خلال القراءة، وهذا ما دفعني إلى محاولة فهم هذه النظرية، ومعرفة الطرائق التي تنظر من خلالها إلى عمليات التلقي، ومعرفة أبعادها المرجعية والنظرية والتاريخية التي صدرت عنها، فوجدت أنها تستلهم مادتها من تاريخ الفلسفة والنقد وعلم الجمال، مع خلو تلك المصادر من إشارات تدل على مشاركة النقد العربي القديم في وضع أسس تلك النظرية.



وتأتي أهمية البحث، من أنه يحاول أن يرفد سلسلة الدراسات التي وضعت لفهم أسس نظرية الأدب في النقد العربي القديم، ويحاول الإجابة عن الأسئلة التي تؤدي إلى وضع المفاهيم النقدية، في موضعها التاريخي الصحيح لتاريخ النقد، عامةً، فالنقد مثل الأدب يخضع لعملية التأثر والتأثير، وذلك بسبب تكامل المعارف الإنسانية. وقد دفعني ذلك إلى دراسة التلقي في النقد العربي القديم، سعياً لمعرفة الطرائق التي تلقى فيها النقاد العرب الأدب، والأسس التي انطلقوا منها في قراءتهم، والنتائج التي انتهوا إليها، ومقارنتها بالمقولات النقدية الحديثة لنظرية التلقي، بهدف معرفة ما أسهم فيه النقد العربي، وما أضافه إلى أسس التلقي، وما سبق فيه النظرية الحديثة. وقد وضعت الحدود الزمنية للبحث في القرن الرابع الهجري، لأنه يمثل مرحلة من مراحل النشاط النقدي التي تعطينا تصوراً عن النقد العربي القديم، فقد نضجت فيه الدراسات النقدية العربية، وتنوعت روافدها الثقافية، وتعددت أشكالها وفرضياتها، إذ أفادت من المراحل السابقة، وأسست ما جاء بعدها.