البحث

تحميل كتاب في الروح : هايدغر والسؤال – جاك دريدا ما مفهوم الحقيقة؟ وما ماهيتها؟ سؤال عا...

تحميل كتاب في الروح : هايدغر والسؤال لــ جاك دريدا

تحميل كتاب في الروح : هايدغر والسؤال – جاك دريدا



ما مفهوم الحقيقة؟ وما ماهيتها؟ سؤال عام ومجرد، تضعنا الإجابة عليه في مواجهة مباشرة مع مفهوم الماهية.

وسؤالنا هنا عن ماهية الحقيقة لا يهتم بكون الحقيقة حقيقة التجربة العملية في الحياة أو تدبير الشؤون الاقتصادية أو حقيقة تفكير تقني أو براعة سياسية أو حتى حقيقة تأمل فكرى.
التساؤل حول الماهية معناه أن نبتعد عن كل ذلك فنوجه نظرنا إلى هذا الذي يميز وحده كل «حقيقة» من حيث كونها  كذلك.
إن السؤال عن الماهية بصرف النظر عن هذه الأمور جميعًا يوجه البصر إلى أمر واحد وهو ذلك الذي يميز الحقيقة من حيث هي حقيقة أم لا. ولكن ألا يتوجه بنا السؤال عن الماهية إلى فراغ التعميم الذى يكتم على أنفاس الفكر؟ أليس من شأن المجازفة بمثل هذا السؤال أن تبين أن الفلسفة كلها هاوية لا تقوم على أي أساس؟
إن من واجبات الفكر الذي يتجه إلى الواقع أن يصرف جهده إلى إقامة الحقيقة الواقعية التي تزودنا اليوم بالمعيار الذي نحتكم إليه والسند الذي نعتمد عليه ليحمينا من اختلاط الآراء والظنون.

لقد كانت الحقيقة ولا تزال كلمة سامية ونبيلة؛  فالكل يبحث عن الحقيقة والكلّ ينشد الوصول إليها. أما الفلسفة فكانت سابقة إلى إحاطة الحقيقة بالأسئلة التي ظل الفكر الفلسفي يبحث لها عن إجابة منذ حقب طويلة من الزمن إلى وقتنا الحاضر، سواء كانت هذه الأسئلة لها علاقة بوجود الحقيقة أو بطبيعتها أو بقيمتها، فتساءلت مثلًا: هل الحقيقة ممكنة؟ وبأي معنى؟ وإذا كانت ممكنة ما هي معانيها المختلفة؟ وهل الحقيقة مطلقة أم نسبية؟ موضوعية أم ذاتية؟ وما قيمة الحقيقة؟ ولقد أثارت مشكلة مفهوم الحقيقة كمضمون واحد وثابت بعيدًا عن الحقائق الجزيئية في هذا المجال أو ذاك جدلًا كبيرًا بين الفلاسفة، حيث تعددت تأويلات الفلاسفة لمفهوم الحقيقة واختلفت باختلاف توجهاتهم، لكن وبالرغم من اختلاف نظرة الفلاسفة للحقيقة وتفسيرهم لها، وبالرغم من تعدد المفاهيم التي أعطيت للحقيقة، إلا أننا نلاحظ أن كل الفلاسفة مثل أفلاطون قد تناولوا المسألة من وجهة نظر معرفية، وقد استمرت هذه النظرة للحقيقة إلى حدود الفلسفة المعاصرة التي عرفت ظهور العديد من الفلسفات الإنسانية، أو ما يطلق عليها عادة بفلسفات اللامعقول، والتي ترفض النظر إلى الإنسان على أنه مجرد ذات عارفة وللأشياء على أنها مواضيع للمعرفة، لاسيما الفلسفة الوجودية التي تصر على زحزحة الكوجيتو ونفي العقلانية، وتنظر إلى الإنسان على أنه انفتاح وحرية، وإلى الأشياء على أنها موجودات تكشف عن نفسها بالاهتمام، لتتخذ بذلك مسألة الحقيقة مسارًا آخر بعيدًا عن النظرة المعرفية. ويعد الفيلسوف الألماني «مارتن هيدجر» من أهم الفلاسفة الوجوديين الذين عنوا بمسألة الحقيقة حيث وجه الفيلسوف عدة انتقادات للنظرة التقليدية للحقيقة. حيث أنها محددة بالمعرفة لا تستطيع أن تتجاوز حدودها، وبذلك يمهد هيدجر لتصور جديد للحقيقة، محدثًا بذلك انتقالًا كبيرًا من تناول مسألة الحقيقة في إطار معرفي إلى تناولها في سياق أنطولوجي. لقد انتهى هيدجر إلى أن قيمة الإنسان الحقيقية تكمن في تعرضه للحقيقة وتعرضه لنورها، وهذه الحقيقة لا ينظر إليها في علاقتها بالمعرفة بل في علاقتها بالوجود.

وعلى كل حال. وقبل أن نجيب على تساؤلاتنا التي تفرض نفسها دائمًا على ساحة الفكر،وقبل أن نتعرف على تصور مارتن هيدجر للحقيقة كواحد من أعلام الفكر الفلسفي بشكل عام والوجودي بشكل خاص،لابد لنا من أن نعرض نبذة قصيرة عن  مارتن هيدجر.

مارتن هيدجر، من أصل ألماني، وقد ولد في عام (1889) وأتم دراسته في جامعة (فربيورج).

كان من أساتذته  الفيلسوف (هوسرل) مؤسس الفلسفة الظاهرانية أو مذهب الظاهريات الذي كان المنبع الرئيسي للوجودية، في عام (1914) حصل (هيدجر) على شهادة الدكتوراة  في رسالة قدمها بعنوان (نظرية الحكم في النزعات السيكولوجية) وطُبعت على نفقة مطابع الجامعة.

في عام (1916)، قدم رسالة دكتوراة ثانية وهي الرسالة التي أهلّته للقيام بعمليات التدريس عن (نظرية المقولات والمعنى عند دونس إسكوت)، وفي عام (1923) عين أستاذًا للفلسفة في جامعة (ماربرج) وفي هذه الفترة ألف كتابه (الوجود والزمان) وتم نشر الجزء الأول منه في عام (1927)، عين (هيدجر) خلفًا (لهوسرل) أستاذه في نفس الجامعة بتوصية من أستاذه (هوسرل) بعد أن أحيل (هوسرل) إلى التقاعد في عام (1929)، وقد قدم (هيدجر) لأستاذه (هوسرل) بحث تذكاري تقديرًا لجهوده العلمية، واعتزازًا بأستاذيته، اسم البحث (ماهية السبب)، ويعد هذا البحث من الأبحاث القيمة عند (هيدجر) وفي العام (1929) ألف كتاب أسماه (كانت ومشكلة ما بعد الطبيعة) عرض فيه آراء الفيلسوف (كانت) وقد هاجمه أنصار (كانت) ومؤيدوه، وكان (إرنست كاسبر) على رأسهم .

وفي عام (1929) كان يلقي على طلابه في جامعة (فريبورج) محاضراته عن (ما الميتافيزيقا)، وفي عام (1933) اُنتخب مديرا لنفس الجامعة، ومن الجدير بالذكر أن في هذا العام تولى (هتلر) حكم السلطة في ألمانيا، ولكن بعد فترة، أعلن استقالته من الجامعة في عام (1934)، وفي عام (1945) وعند دخول الحلفاء ألمانيا كان موقفًا قد اُتخذ ضده، فتم فصله من الجامعة.

وتعرضت أفكاره إلى هجمات وتشويهات وتحريفات، وإلى إشكاليات في عمليات الفهم، ووجّهت إلى (هيدجر) الكثير من الاتهامات، منها العدمية  والعاطفية الشديدة، واُتهم بأنه  عدو المنطق والعلم والمعرفة، وكانت موجة معارضة لأفكاره أخرى قد اتهمته بالالتواء في الأساليب التعبيرية والغموض الشديد المتقصد  في طريقة العرض لأفكاره، وينتاب أسلوبه سوداوية وهزيمة.
كان (كارناب) على رأس المنتقدين والمشككين، وهو من دعاة (الوضعية المنطقية) وحاول الانتقاص من قدر (هيدجر) واتهمه بأنه مضلل، وأن كل ما كتبه  لا يعدو سوى هذيان فارغ ومفارقات لفظية ، لا تشكل أيّ معنىً جوهريًا، وشن هجمات على  مؤلفات (هيدجر) وعلى كتابه (ما الميتافيزيقا؟) بالذات، واعتبره أسطرًا من التصورات الفارغة العقيمة التي لا معنى لها، ومن الذين تأثر بهم (هيدجر) هو (كيركغارد) الذي يعد أبو الفلسفة الوجودية الحديثة، فكان الاتجاه للوجود عكس (كيركغارد) وهذا ما أكده الباحث الفرنسي، (كوارية) فهو الذي نشر بحثًا في مجلة (نقد) باللغة الفرنسية للحديث عن وجودية (هيدجر) المتناقضة مع الوجودية، والخلافات التي نشبت بين (هيدجر) و(سارتر) وهي التي توجت الفصل في رفض (هيدجر) لوجودية (سارتر) في أن وجودية (هيدجر) لا تدور حول إشكاليات الإنسان بل حول (إشكاليات الكينونة والوجود العام).

في نهاية المطاف ركن هيدجر إلى حياة العزلة في بيته الريفي بمدينة فرايبورج بين أحضان الغابة التي أحبها واستلهم منها كثيرًا من تأملاته وخواطره.

حياة خالية من الأحداث الخارقة، وتجربة الفكر نفسه في صراعه مع الوجود والحقيقة هي الحدث الوحيد الذي يتخللها ويحدد ملامحها ويوضح تأثيرها بل ثورتها التي غيرت خريطة التفكير الفلسفي في القرن العشرين. ومحاولاته  الدائبة لاستكشاف التراث الغربي والحوار المستمر معه والإنصات من جديد لنداء الوجود الذى انبعث من نصوص فلاسفة الإغريق، ولا يزال يهيب بنا أن ننتبه إليه ولا ننساه في زمن المحنة الذي نعيش فيه.



-التصور الشائع للحقيقة

ما الذي يفهم عادة من كلمة الحقيقة؟ إن هذه الكلمه رفيعة  لكن أصبحت مع ذلك كلمة بالية وأوشكت أن تكون صماء عاطلة من كل معنى.
ما هو الحقيقي؟ نحن نقول مثلًا ( إنها لفرحة حقيقية أن أساهم في نجاح هذه المهمة) ونقصد بها أنها فرحة خالصة واقعية، فالحقيقي إذن هو الواقعي وبهذا المعنى نتكلم عن الذهب الحقيقي تمييزًا له من الذهب الزائف. فالذهب الزائف ليس في الواقع كما يبدو من مظهره، إنه مجرد مظهر ولهذا السبب فهو غير واقعي، وغير الواقعي يؤخذ على أنه عكس الواقعي، ولكن الذهب المزيف يعد كذلك شيئًا واقعيًا، من أجل هذا نعبر تعبيرًا واضحًا ونقول ( الذهب الواقعي هو الذهب الأصيل )، غير أن كليهما واقعي، وإذن فإن حقيقة الذهب الأصيل لا يمكن أن تكون مضمونة عن طريق واقعيته، إن الذهب الأصيل هو ذلك الشيء الواقعي الذي تنطبق واقعيته على التصور الذي نستحضره دائمًا في أذهاننا عندما نفكر في الذهب. أو يمكن القول بطريقة أخرى ذلك الذي يكون كما ينبغي له أن يكون فإننا نعلق عليه بقولنا ( صحيح) أي أن الشيء متفق أو متطابق مع ما يتوقع منه أو يراد له، وبصورة أخرى تكون العبارة بلاشك حقيقية عندما يتطابق ما تعنيه وما تقوله مع الشيء الذي تعبر عنه،  هنا أيضًا نقول هذا صحيح. غير أن الصحيح في هذه الحالة ليس هو الشيء بل ( القضية ). إذًا فالحق سواء كان شيئًا حقيقيًا أم قضية حقيقية، هو الصحيح أو ( المتوافق ) والحق والحقيقة يدلان هنا على الصحة أو التوافق، ذلك بالمعنى المزدوج لهذه الكلمة.

هذا الطابع المزدوج للتوافق يوضح التعريف التقليدي الموروث لماهية الحقيقة (الحقيقة هي تطابق الشيء مع العقل).

وهي مطابقة التصور أو الحكم العقلي للشيء أو للواقع، ولكن الأكيد أن التصور المتداول للحقيقة ليس وليد الحس المشترك، وإنما يستند في أساسه وجوهره إلى مرجعية فكرية. فما هي هذه المرجعية الفكرية التي يستند إليها التصور المتداول للحقيقة؟ لمعرفة هذه المرجعية الفكرية يرجع بنا «هيدجر» إلى تاريخ الفكر الفلسفي، ورجوع هيدجر إلى تاريخ الفكر الفلسفي لا يعني أنه سيتناول المسألة من وجهة نظر الحقيقة، وهو إذ يستعرض ما قاله الفلاسفة والمفكرين عن الحقيقة، لا يحاول غربلة ما قالوه لتمييز صوابها من خطئها، بل من أجل أن يستمد من التراث الفلسفي شهادة ودليلًا على إمتداد مفهوم الحقيقة كتطابق والمتأصل في نفوسنا جميعًا في عمق التراث الفلسفي، يرى هيدجر أن تحديد الفكر الشائع للحقيقة كتطابق ليس أمرًا بديهيًا ولا وليد الفطرة، وإنما يقوم على أساس تحديد مسبق منه يحدد الحقيقة على أنها: « تطابق الشيء مع العقل»، فالواقع أن تحديد التصور الشائع للحقيقة ليس أمرًا اعتباطيًا منبث الجذور عن الماضي، وإنما هو نتيجة منطقية لتفسير قديم لوجود الموجود. لا يزال ينشط كرواسب بداخلنـا، على الرغم منا خضوعه لعامل النسيان وعلى الرغم مما أصابه من ضعف وسوء فهم وتأويل. فنحن جميعًا نفهم الحقيقة سواء كان ذلك عن وعي أو عن غير وعي منا بمعنى التطابق إلا أننا ننسى أصله المدرسي الذي يعود بدوره إلى بعض العبارات المأثورة من التراث اليوناني، فإلى من يعود تحديد الحقيقة كتطابق؟

يرى هيدجر في كتابه « الوجود والزمان » أن التصور التقليدي للحقيقـة  يعود بأساسه إلى « أرسطو » الذي يعد أول من أشار صراحةً إلى تحديد الحقيقة بمفهوم التطابق أي تطابق العقل مع الشيء، وذلك استنادًا إلى عبارة أرسطو التي يقول فيها: « ليس الباطل والحق في الأشياء نفسها، وإنما هو في الفهم»  يقصد أن الفهم أو الحكم هو المكان الأصلي للحقيقة والزيف أوالخطأ، وأن» الحقيقة تقوم في توافق وتطابق الحكم أو العقل مع الأشياء، بحيث تكون العبارة حقيقية بقدر ما تتطابق وتتوافق مع الشيء مضمون العبارة، أي بقدر ما يكون تطابقًا كليًا، وبذلك يكون أرسطو أول من مهد لتطور صياغة مفهوم الحقيقة بوصفها صحة الحكم المعبر عنه بالقول، أي صحة أحكامنا المتعلقة بالمواضيع، أي كـ «تطابق بين العقل والشيء» لتكون هي الصياغة الملزمة للفكر الغربي كله، ابتداء من الفلاسفة المدرسيين وحتى نيتشه وهوسرل ووليام جيمس وفلاسفة الوضعية المنطقية، وذلك بفضل جهود توما الإكويني الذي يرجع له الفضل في إقرار وتأكيد تعريف الحقيقة كـ «تطابق بين العقل والشيء» وإن كان يشير إلى أنه قد أخذ هذا التعريف عن ابن سينا الذي يقال أنه أخذه بدوره عن كتاب «التعريفات» لإسحاق الإسرائيلي . غير أن تصور توما الإكويني للحقيقة طرح تساؤلات عدة على هيدجر من حيث كونها تطابق الشيء مع العقل  أم أنها يمكن أن تُعرض بصورة أخرى من حيث كونها تطابق العقل مع الشيء وهل الصورتان متطابقتان أم أن هذا الأمر يظهر من خلاله التباس شديد في المعنى؟  يرى هيدجر أن التعريف التقليدي للحقيقة يظهر الحقيقة بطريقة مزدوجة، أولًا كتطابق بين الشيء والعقل (الحقيقة الأنطولوجية أو حقيقة الشيء)، ثم كتطابق بين العقل والشيء (الحقيقة المنطقية أو حقيقة الحكم)، قد يبدو الأمر بسيطًا وخالٍ من أي إلتباس بأن يبدو التطابق هو ذاته في كلا التصورين، مادام كلا التصورين يدلان دائمًا على التلاؤم والتوافق ومادام طرفا المطابقة هما ذاتهما في كلا التصورين، إلا أن إمعان النظر يكشف عن وجود التباس يعود في أساسه إلى اختلاف معيار ما هو حقيقي في كلا التصورين، حيث يُأخذ (العقل) في التصور الأول على أنه معيار ما هو حقيقي، بينما يُأخذ (الشيء) أو (الواقع) في التصور الثاني على أنه هو معيار ما هو حقيقي. ولأجل الفصل في المسألة وإيضاح الالتباس يشير هيدجر إلى ضرورة تأمل المسألة من منطلق اللاهوت لا من منطلق الأبستمولوجيا. حيث تدل كلمة العقل في الصيغة الأولى أي (تطابق الشيء مع العقل) على العقل الإلهي، بينما تدل كلمة الشيء على الشيء الموضوع أوالمخلوق من طرف العقل الإلهي، أما بالنسبة للصيغة الثانية أي (تطابق العقل مع الشيء) فتدل كلمة العقل على العقل الإنساني. بينما تدل كلمة الشيء على الشيء كموضوع لإدراك العقل الإنساني. لنحصل في النهاية على الصيغتين التاليتين: (تطابق الشيء مع العقل الإلهي) و(تطابق العقل الإنساني مع الشيء) وهما الصيغتان اللتان تُظهِران بالفعل وعلى نحو أصيل التعريف التقليدي للحقيقة، وهذا ما تؤكده عبارة توما الإكويني التي يقول فيها: « توجد الحقيقة بمعناها  الصحيح في العقل الإنساني أو العقل الإلهي، وبهذا فقط تتحقق إمكانية المعرفة الإنسانية، لأنه -فرضًا- إذا لم يكن العقل الإنساني متوافقًا مع الشيء الذي يلزم بدوره أن يكون متوافقا مع الفكرة الإلهية، فإن ذلك سيؤدي إلى عدم توافق العقل مع العقل الإلهي، وبالتالي يؤدي إلى انتفاء الحقيقة، وكذلك الأمر إذا لم يكن الشيء متطابقًا مع العقل الإلهي، فعدم تطابق الشيء مع العقل الإلهي يؤدي حتمًا إلى عدم توافق العقل مع الشيء ومن ثم مع العقل الإلهي،  وعلى هذا الأساس تكون حقيقة الشيء أي تطابق الشيء المخلوق مع العقل الإلهي أساسًا لحقيقة الحكم أي للحقيقة بوصفها تطابقًا للعقل الإنساني مع الشيء المخلوق، بحيث أن انتفاء حقيقة الشيء يؤدي بالضرورة إلى انتفاء حقيقة الحكم، في حين أن انتفاء حقيقة الحكم لا يؤثر في وجود حقيقة الشيء،.

الإمكانية الباطنة للتطابق

قلنا أنه يمكن لمعنى التطابق أو التوافق أن يكن ليس فقط علاقة بين شيء وشيء ،بل إنها تُصدق على علاقة أخرى تقوم على عبارة أو ( قضية وشيء)، كأن أقول مثلًا إن العملة النقدية مصنوعة من المعدن، إن العملة المادية مصنوعة من المعدن، والعبارة غير مادية على الإطلاق ولكن على الرغم من كل هذا الاختلاف بينهما. فإن العبارة المذكورة تتطابق بوصفها عبارة حقيقية ( صادقة ) مع القطعة النقدية. وينبغى أن يُفهم هذا التطابق. وفقًا للتصور الشائع عن الحقيقة  على أنه تكافؤ. إذن كيف يمكن أن يتكافأ هذا الشيء المختلف تمام الاختلاف وهو العبارة مع القطعة النقدية؟ إن التكافؤ المقصود لا يعنى في هذه الحالة أن يحدث تشابه واقعي بين شيئين مختلفين في طبيعتيهما. والأولى أن يُقال أن أأأأاسييماهية التكافؤ تتحدد وفقًا لنوع العلاقة التي تقوم بين العبارة والشيء، بمعنى أن العبارة التي تُقال عن( القطعة النقدية) تتعلق بهذا الشيء عندما تتمثله أو تستحضره أمامها وتتكلم عن حالة هذا الشيء المستحضر من وجهة النظر السائدة. هذه الطريقة في التعبير التي تنصب على ( التمثل أو الاستحضار) المراد بها – مع استبعاد كل الآراء السيكولوجية – جعلت الشيء يُوضَع أمامنا بوصفه موضوعًا، والذي يوضع أمامنا بهذه الكيفية لابد أن يعطي مجالًا مفتوحًا في مواجهتنا وأن يبقى مع ذلك في ذاته شيئًا ويظهر بوصفه كيانًا ثابتًا، هذا الظهور للشيء  عن طريق قطعة أو تخلله مجالًا يقع في مواجهتنا يتحقق داخل منفتح ( أو مجال مفتوح) لم يعمل التمثل أو ( الاستحضار) على خلق انفتاحه. والعلاقة بين العبارة المتمثلة وبين الشيء هي التي تحقق تلك الإحالة التي تتم في الأصل كما تتم في كل مرة في صورة مسلك، والمسلك يتصف دائمًا بأنه – وهو الذي يتم داخل المجال المنفتح – يرتبط باستمرار بما هو متكشف ( ذلك الذى يظهر نفسه بنفسه، أو يكشف عن نفسه بنفسه )،  هذا المتكشف وبهذا المعنى الدقيق قد جربه الفكر الغربي منذ وقت مبكر بوصفه ذلك الذي يحضر، كما سُميَّ منذ وقت طويل ( بالموجود).

إن المسلك منفتح على الموجود، وكل علاقة انفتاح مسلك، وتفتح الإنسان أو انفتاحه يتفاوت حسب طبيعة الموجود وأسلوب مسلكه نحوه، وكل عمل وإنجاز وكل فعل وتدبير يبقى في انفتاح مجال يستطيع الموجود في داخله أن يوضع الوضع الذي يسمح بالتعبير عنه من حيث هويته وكيفيته، ولا يأتي هذا إذا أصبح الموجود نفسه متمثلًا أو ( مستحضرًا) في التعبير الذي يمثله، بحيث يخضع هذا التعبير لفرض يلزمة بأن يعبر عن الموجود من حيث كونه كذلك وبقدر ما يلتزم التعبير بهذا الفرض فإنه يتوافق مع الموجود، والتعبير الذي يلتزم بهذا الفرض يكون تعبيرًا صحيحًا أو متوافقًا ( حقيقيًا) وما يعبر عنه بهذه الطريقة هو الصحيح ( المتوافق)،  أيضًا يجب علينا أن نوضح أن العبارة يجب أن تستمد توافقها ( صحتها ) من  تفتح المسلك، إذ أن هذا التفتح وحده هو الذي يتيح للمتكشف بوجه عام أن يصبح معيارًا للتمثل المكافئ. ولكن المسلك المنفتح وحده هو الذي يجب عليه أن يهتدي بهذا المعيار بحيث يتحتم عليه أن يقبل العطية السابقة لهذا المعيار الذي يوجه كل تمثل وهذا متضمن في تفتح المسلك، ولكن إذا كان تفتح المسلك وحده الذي يجعل للعبارة توافقها أو صحتها ممكنة، فيلزم عن هذا أن يكون ذلك الذي يجعل التوافق ممكنًا هو صاحب الحق الأصلي في أن يعتبر ماهية الحقيقة، بهذا تسقط الإحالة التقليدية إلى العبارة منظورًا إليها بوصفها الموضع الوحيد الذي تحل فيه ماهيتها المظهر الذى يخول لها تحقيق ماهية الحقيقة.

أساس إمكانية التوافق

إذًا لماذا يسهم هذا التوافق في تحديد ماهية الحقيقة؟ كيف تم مثل هذه العطية الأولية للمعيار وهذا الإيعاز بالتوافق؟  لا يتم هذا حتى تكون هذه العطية الأولى من تحريرنا بحيث ننفتح على ما يتكشف فيها وما يلزم كل تمثل، مثل هذا التحرر يشير إلى أن الماهية التي لم تُفهم حتى الآن للحرية، أو بمعنى آخر  أن انفتاح المسلك وهو الذي يجعل التوافق ممكنًا من الناحية الباطنة يقوم على أساس الحرية.
إن الحرية هي ماهية الحقيقة، ولكن أليس وضع ماهية الحقيقة في الحرية معناه أن نضع الحقيقة تحت رحمة الهوى؟ وهل هناك شيء أقدر على تقويض الحقيقة من تركها نهبًا لتعسف هذه القضية وتحكمها ؟
إن الشيء الذي ظل يلح على الحكم السليم أثناء هذه المناقشة قد ظهر الآن أكثر وضوحًا،  إن الحقيقة هنا تُرد إلى ذاتية الذات الإنسانية. وحتى لو أمكن أن تصل هذه الذات إلى الموضوعية فإن هذه الموضوعية ستظل إنسانية شأنها شأن الذاتية.  كما ستبقى تحت تصرف الإنسان. ومما لا شك فيه أن الإنسان ينسب إليه الزيف والنفاق والكذب وعلى الجملة كل ألوان الــ «لا حقيقة»، ولكن اللا حقيقة تعد كذلك نقيض الحقيقة. ولهذا يرى الناس أن يستبعدوها من دائرة السؤال عن الماهية الخالصة للحقيقة وذلك على أساس أنها الوجه السلبي من الحقيقة، هذا الأصل الإنساني من اللاحقيقة يؤكد بطريقة أو بأخرى أن ماهية الحقيقة في ذاتها هي التي لها السيادة على الإنسان، هذه الحقيقة في ذاتها تعد في نظر الميتافيزيقيا خالدة وأبدية، وسوف يؤدي بنا البحث في ماهية الحرية بما لها من ارتباط ماهوي قائم بينها وبين الحقيقة إلى البحث مباشرة في ماهية الإنسان، بما لهذا التأمل من أهمية شديدة  تضعنا مباشرة أمام المجال الذي تفصح فيه الحقيقة عن ماهيتها.